حسن الأمين

154

مستدركات أعيان الشيعة

الأولى والعقل الأول والروح والقلم . ثم ظهر تعالى بصورة حقيقة أخرى هي النفس المسماة « حواء الحقيقية » إزاء « حواء الصورية » . وهي أيضا ذات أسماء كثيرة منها النفس الكلية واللوح المحفوظ والكتاب المبين . وعدا ذلك من الأسماء بحسب اعتباراتها أيضا ( 1 ) . ثم ظهر بواسطة هاتين الحقيقتين بصورة كل موجود في الوجود من العقول والنفوس والأفلاك والاجرام والعناصر والمواليد . [ فا ] فالله بحسب حديث قدسي ينقله الآملي عن المتصوفة ، الذين يشتهرون بترداده : « كان كنزا مخفيا ، فأحب أن يعرف فخلق الخلق » ( 2 ) . والكنز المخفي في التعريف الصوفي هو الهوية الأحدية المكنونة في الغيب ، وهو أبطن كل باطن ( 3 ) أما اصطلاح « الإنسان الكبير » فهو وإن كان من مفردات الصوفية والغنوصية من قبل ، في حقيقة الأمر ذو جذور دينية آرية قديمة . في الميثولوجية الإيرانية كيومرث Gayomart . في الابستاق : « كيا - مرتن ) والفكرة الفيداوية ( الهندية ) المناظرة له هي الإنسان الأول الكوني » بوروسا « وفي الصين هو » بان - كو « وأبدع الغنوص اليهودي ( القبالا ) فكرة » آدم علائي « أو » آدم قذمون « على أنه » عين الوجود « وتطورت فكرة الإنسان الأول في الفلسفة اليونانية المتأخرة إلى نظرية » اللوغوس « أو » كلمة [ أ ] الله « الحية . وفي المسيحية ظهرت . فكر يسوع » آدم الجديد « ( 4 ) . « الإنسان الكبير » كما يعرفه الآملي في كتابه الآخر « رسالة نقد النقود في معرفة الوجود » هو الإنسان الحقيقي ، القائم به الوجود . والإنسان الكبير لآدم وذريته هو كآدم لذريته . أي كما كانت ذرات أولاد لآدم في ظهره بالقوة ، وكما ظهرت تلك الذرات من صلبه بواسطة نكاحه الصوري لحواء ووصوله إليها ، كذلك ظهرت تلك الذرات من صلب « الإنسان الكبير » بواسطة نكاحه المعنوي للنفس الكلية ووصوله إليها ( 5 ) . يتاصل هذا التصور في أعماق عقيدة الغنوصيين حول نشأة الكون من سلسلة متعاقبة من أزواج روحية ذكرية وأنثوية . تبدأ بالزوج الأول ( الذكر ) واللوغوس أو الكلمة ( الأنثى ) وتتدرج عبر توالد أزواج أخرى حتى يكتمل بناء الكون ( 6 ) . غير أن المصطلح يغتني هنا بمدلولات جديدة مشبعة بالمضمون الفلسفي الإسلامي المتهلين ، مثل الظهور بالقوة والممكن والنفس الكلية . أي بمدلولات متحللة من رموزها وعلائقها وارتباطاتها الأحيائية القديمة ، ومنبعثة من خلال مركب تخييلي وروحي وعقلي . وهذا التصور عينه لفكرة الخلق ، اتخذ في القرن السابع عشر في أوروبا سمات « شبه بيولوجية وعلمية » . إذ كان العالم الطبيعي الهولندي شوامردام ( 1637 - 1680 ) يتصور أن جراثيم جميع البشر الممكنين في كل الأزمان منذ بدء الخليقة حتى الآن ، موجودة في صلب آدم أو في حقو حواء . وكي ينتج الشبيه شبيهه دائما ، ويستمر النوع من خلال التعاقب ، يجب أن تخلق جراثيم الأفراد التي تشكل النوع دفعة واحدة في صورة نهائية ، وفقا للنموذج نفسه . ( 7 ) وفي سياق نظرته يرى الآملي أن ظهور الحق ( الله ) في صور الموجودات هو بعينه ظهور الواحد في صور الأعداد . والواحد ذو خواص يشابه الحق بها ، لذلك يعطي وجود كل عدد واسمه في ظهوره بصورته . كذلك الحق يعطي وجود كل موجود واسمه في ظهوره بصورته . ومن تكرار الواحد ينشأ العدد ، كذلك من فيض الباري تنشأ الخلائق وكما أن الاثنين أول عدد ينشأ من تكرار الواحد ، كذلك العقل الأول موجود فاض من وجود الباري ثم تسلسلت الفيوضات : النفس من الثلاثة والطبيعة من الأربعة والهيولى من الخمسة والجسم من الستة والفلك من السبعة والأركان من الثمانية والمولدات من التسعة ، ومن العشرات المعادن ومنه المئات النبات ومن الألوف الحيوان . وفي جوابه عن حكمة تخصيص الشيعة أئمتهم باثني عشر ، يرى الآملي أن قوام الوجود وأنواع الموجودات وأجناسها ، تقع بحسب طبيعة العدد والمقدار . ومن حكمة الباري أن تكون الأشياء كلها على ما هي عليه من الأعداد والمقادير . وفي نظر أرباب التحقيق ( المتصوفة ) إن المطابقة قائمة بين عالم المعنى وعالم الصورة . وحتى تكون المطابقة صحيحة وجدوا خصوصية في العدد اثني عشر . وهو أنه يمثل بروج الفلك الاثني عشر ( 8 ) ومن خصوصية هذا العدد أيضا أن الأئمة والأوصياء في جميع الأزمان لا يزيدون ولا ينقصون عن اثني عشر عددا . والعدد اثنا عشر كما دلت عليه الدراسات الأناسية المعاصرة ذو مدلول مقدس في المنظومة الرمزية للأعداد ، وغالبا يكون ذا خواص خفية وسحرية . مثله مثل العدد سبعة والعدد أربعين . وكانت بلاد ما بين النهرين تخصص بالآلهة بعض الأرقام المقدسة . وعموما كان انتظام الخلق والمخلوقات على مدرج عددي ، وهو ما يأخذ به الآملي من تصور فيثاغوري ( 9 ) وعكف بعض المعاصرين الشيعة ( الدكتور أبو زهراء النجدي ) على الوجه الاعجازي العددي في القرآن الكريم فاحصى فعل يعصم ومشتقاته اثنتي عشرة مرة . وهو عدد يطابق عدد الأئمة المعصومين .

--> ( 1 ) نفسه ، ص 114 - 145 . ( 2 ) [ بذكره ] يذكره ابن خلدون في مقدمته : ص 471 . ( 3 ) معجم المصطلحات الصوفية . الدكتور عبد المنعم الحفني ص 226 . ( 4 ) » كتابات معاصرة « . » دلالات ميتولوجية برسم الأنتبرولوجيا : أحمد زين الدين . العدد ( 11 ) ص 120 . ( 5 ) نقد النقود : ملحق بجامع الأسرار : ص 962 . ( 6 ) 46 - 7 . Lagnose . parH . Leisegange . P ( 7 ) منطق العالم الحي : فرنسوا جاكوب ، ترجمة علي حرب ص 62 - 64 . ( 8 ) منطق العالم الحي : فرنسوا جاكوب ، ترجمة علي حرب ص 62 - 64 . ( 9 ) علي حرب ص 63 - 64 .