حسن الأمين

155

مستدركات أعيان الشيعة

أما عن لزوم العصمة عند الأئمة ، فيرى فيه صاحب « جامع الأسرار » ضرورة من ضرورات علة تكليفهم لأنهم لو لم يكونوا معصومين من فعل المقابح والمعاصي . لما أمن الناس مفسدتهم وفسقهم أو اتهامهم بفعلها . ولكانوا هم ( الأئمة ) أحوج إلى اللطف من الناس ، ولم يقبل الناس قولهم ولم يطاوعوهم فكانوا مخلين بالواجب . وفي مقابل قول الآملي بالعصمة ، آثر أقرانه من المتصوفة السنيين استخدام عبارة « الحفظ » بدل « العصمة » . فقالوا إن الأنبياء معصومون والأولياء محفوظون . والفرق بين المحفوظ والمعصوم ، أن هذا لا يلم بذنب البتة ، والمحفوظ قد تحصل منه هنات ، وقد يكون له في الندرة زلات ولكن يكون له أسرار . كما يبين القشيري في « لطائف الإشارات » لكنه في موضع آخر لا يلبث أن يستدرك قائلا : « اعلم أن من أجل الكرامات التي تكون للأولياء التوفيق للطاعات والعصمة من المعاصي والمخالفات » . ( 1 ) وفي مسألة القضاء والقدر يفترق الآملي عن بعض المتصوفة السنيين فيأخذ بالفكرة الامامية الاثني عشرية « لا جبر ولا تفويض » أي أن جميع الأفعال صادرة عن الله تعالى ، لكن كل فعل منسوب إلى محله الخاص ( الصادر منه ذلك الفعل ) وفعل العبد منسوب إليه ( 2 ) ، حين راعى بعض المتصوفة من السنة الموقف الأشعري فأبطل القول « بخلق الأفعال » وأخذ بموقف الجبر فنسب جميع الأفعال القبيحة والحسنة إلى الله تعالى ( 3 ) . ويرى الآملي إلى أن هذا الفهم يبطل الثواب والعقاب والجنة والنار . والآملي يتحاشى في هذا المقام ، أن يذهب مذهب غيره من المتصوفة الذين يسقطون التكاليف والفروض الدينية عن أنفسهم . ويرون فيها معنى رمزيا وباطنيا منزها عن الحسي . وفي ما يسميه الآملي الأصل الثاني يقصر حديثه على الاستشهاد بكلام الله تعالى وكلام الأنبياء وكلام الأولياء وكلام العلماء وهو أقصر فصول كتابه « جامع الأسرار » . أما في الأصل الثالث والأخير فيتناول الآملي في القاعدة الأولى الفروق ما بين الشريعة والطريقة والحقيقة . وفي نظره أنها « أسماء مترادفة صادقة على حقيقة واحدة باعتبارات مختلفة ( 4 ) والشريعة اسم موضوع للسبل الإلهية ، مشتمل على أصولها وفروعها ، ورخصها وعزائمها ، وحسنها وأحسنها . والطريقة هي الأخذ باحوطها وأحسنها وأقومها . وكل مسلك يسلك الإنسان أحسنه وأقومه يسمى طريقة ، قولا كان أم فعلا أم صفة أم حالا . وأما الحقيقة ، فهي إثبات الشيء كشفا أو عيانا أو حالة أو وجدانا . ولهذا قيل : « الشريعة أن تعبده ، والطريقة أن تحضره ، والحقيقة أن تشهده » ( 5 ) فالشريعة تختص بالأقوال والطريقة بالأفعال والحقيقة بالأحوال . والشرع في رأي الآملي ، هو غير الشريعة ، بل هو شامل للكل « لأن الشرع كاللوزة الكاملة المشتملة على اللب والدهن والقشر . فاللوزة بأسرها كالشريعة ، واللب كالطريقة والدهن كالحقيقة ( 6 ) . وهذه الثمرة التي يمثل بها الآملي طبقات الشرع ، هي من الدلالات الرمزية على الأساسي والجوهري المحتجب داخل قشرته الخارجية الصلبة . واقتبست الصوفية اليهودية ( الحاسيدية والقابالا ) متأخرة هذا الرمز ، بعد أن استبدلت به الجوزة لتطلقه على كلام التوراة . لأن كل كلمة تدل على معنى يزداد عمقا . كلما ابتعدنا عن ظاهر معناها . ومن طريق المشابهة سميت حلقة المتصوفين ) « بنواة الجوزة » ( 7 ) . هذه المراتب الثلاث التي يصنفها الآملي مقتضيات مراتب أخرى ، هي مثابة الأصل لها . فالشريعة من اقتضاء الرسالة ، والطريقة من اقتضاء النبوة ، والحقيقة من اقتضاء الولاية . والمسلم الحقيقي في نظره ، من يقوم بالأركان الثلاثة ورعاية حقوقها . « وحقيقة الشرع في جميع الأزمنة والأمكنة كانت واحدة ، وكانت منزهة عن الاختلاف والتغاير ، وإن كانت مختلفة الأوضاع والأحكام بحسب المراتب والأشخاص » ( 8 ) . الشرع إذن في رأي الآملي اسم جامع للمراتب كلها . وإذا كانت المرتبة الأولى للعوام فالثانية للخواص والثالثة لخاصة الخواص . ويقيس على هذه المراتب الإسلام والايمان والإيقان ( اليقين ) . كذلك الوحي والإلهام والكشف ، ثم الأقوال والأفعال والأحوال . وحيث لا يجوز في رأيه إنكار الشريعة التي هي مرتبة من مراتب الأنبياء ، كذلك لا يجوز إنكار الطريقة التي هي مرتبة من مراتبهم ودرجة من درجاتهم . وكذلك الحقيقة التي هي أعلى منها شرفا ومرتبة . ومن يقوم بأداء هذه المراتب مجتمعة أو منفردة ، هو على طريق قويم ودين مستقيم . تعريف وفي ضوء تقسيمه الثلاثي ، يفصل الآملي في القاعدة الثانية

--> ( 1 ) الجزء الثاني ذكره الدكتور محمد عابد الجابري في « بنية العقل العربي » ، الطبعة المغربية ص 261 . ( 2 ) جامع ، ص 147 - 150 . ( 3 ) بنية العقل العربي : ص 264 . ( 4 ) جامع ، ص 244 . ( 5 ) جامع ، ص 244 . ( 6 ) . 101 , 67 La Kabbale et sa symbolique , Par G . Gscholem , P ( 7 ) جامع ، ص 248 . ( 8 ) معجم اللاهوت الكتابي : ص 529 - 532 .