حسن الأمين
153
مستدركات أعيان الشيعة
« جامع الأسرار . . . » هو بحث في عمق الصلة بين الاثنين ، وفي الأسانيد الواحدة الموحدة . وأول هذه الأسانيد هو أن الصوفية « الحقة » وفق وصفه ، ينسبون خرقتهم إلى الإمام علي وأولاده وأولاد أولاده . أما الامام فاورثها لتلميذه كميل بن زياد النخعي ثم الحسن البصري فالصادق ثم إلى أولاده المعصومين واحدا بعد آخر ، وصولا إلى صاحب الزمان المهدي المنتظر الذي يضمه الآملي إلى مذهب الصوفية « فهو الآن على مذهبهم موجود » وهو قطب الوجود وإمام الوقت ، وصاحب الزمان « ( 1 ) . وثمة غير حيدر الآملي من يؤصل لسلسلة لباس الخرقة الصوفية فيرفعها إلى النبي أو جبريل أو حتى الله تعالى ( 2 ) . والخرقة تعتبر رمزا للتخلي والفقر واعتزال الدنيا ويرى المستشرق غولد تسيهر في كتابه « العقيدة والشريعة » بوحي من ربطه التصوف بتأثيرات هندية « أن الخرقة رمز للاندماج في الجماعة الصوفية ، تشبه طريقة الاندماج في جماعة » البيكشو « الهندية التي تتم بتسلم الثوب ومعرفة القواعد والآداب التي يتحتم على المريد اتباعها » ( 3 ) . بيد أن الآملي الذي لا يساوره أدنى شك في إسناد أصل الخرقة وأصول الصوفية إلى أمير المؤمنين بترتيب معين ، يضعف خبر العوام عن رفع الخرقة إلى الله جل شانه . ويرى أن ما هو موسوم بالخرقة الصوفية عند العامة ليس في حقيقة الأمر إلا « سر الولاية » عند الخواص . وعلاقة الخرقة [ الصورية ] الصوفية المسماة في الفارسية « هزار ميخ » بسر الولاية ، ليست إلا علاقة مجازية لتفهيم أهل الظاهر وأهل الصورة . رتب الآملي كتابه على ثلاثة أصول واثنتي عشرة قاعدة . وجعل كل أصل مشتملا على أربع قواعد . وفي هذا الترتيب سر للخواص . وهذا السر يدور حول رمزية العدد ( 12 ) تماما ، كما كان حاله مع تأويل القرآن سباعيا بمقتضى الحديث الوارد « إن للقرآن ظهرا وبطنا ، إلى سبعة أبطن » . يرى الآملي أن أولى الخطوات في طريق العرفان كتمان سر الربوبية . لأنه جل جلاله لم يودع الأمانة إلا عند أهلها ، ولم يأذن بها إلا إلى صاحبها فالتقية الشائعة عند الشيعة ، عدم إفشاء أصول المذهب تتخذ لديه معنى باطنيا فتصبح حفظا للأسرار الربانية ، وصونا لها من عبث الجهلة . أما التقية بمعناها الظاهري المتداول فهي إن كانت كتمانا لعلوم الشريعة ، وإخفاء لأصولها ، كانت كفرا . بل إشهارها أولى والقيام بها أوجب . وإذ يشتمل كتابه على بحث التوحيد وتوابعه ولوازمه دون سواه فباعتباره سر الأسرار أو السر الأعظم . وفي هذا المقام يرى « أن الوجود كله واقع على التوحيد ، مشتمل على مراتبه وأن جميع الموجودات مجبولة عليه ، مخلوقة لأجله ، وأن جميع الأنبياء والأولياء ( ع ) ما بعثوا إلا لإظهاره ودعوة الخلق إليه . وأن مدار جميع الكمالات وأساس جميع المقامات - ظاهرا وباطنا - منوطة به وبمراتبه ، وأن علمه خلاصة العلوم كلها من الرسمية والحقيقية ، وأنه أصل الدين والإسلام ، وسبب الجنة والنار » ( 4 ) . وبما أن القاعدة الأولى هي بداهة التوحيد ، فان تعريفه وهو مدار القاعدة الثانية ، يصطدم بصعوبة التعبير عنه بعبارة أو تعريفه بإشارة . فالعبارة في طريق معرفته حجاب ، والإشارة على وجه إشراقه نقاب . يلزم عن هذه الصعوبة ، صعوبة أخرى هي اختلاف العلماء على تقسيم التوحيد إلى أقسام ومراتب وفروع . والتقسيم ( وهو القاعدة الثالثة في الأصل ) إن كثر بحسب العبارة واعتباراتها ، وطال بسبب الإشارات واختلافاتها ، راجع إلى قسمين : التوحيد الألوهي ، أي توحيد العوام ( الظاهر ) والتوحيد الوجودي ، أي توحيد الخاصة ( الباطن ) . وإليهما يضيف توحيدا ثالثا هو توحيد الحق ذاته بذاته ، دون أن يزيد لأن غرضه في بيان التوحيد ، هو التوحيد المخصوص بالعباد والسالكين . وبإزاء التوحيد الألوهي يضع الشرك الجلي ، ويقابل بين التوحيد الوجودي والشرك الخفي . ويسهب الآملي في شرح القاعدة الرابعة من الأصل الأول ، وهي تشتمل على كيفية التوحيد وتفصيله ، وعلى معرفة الذات والصفات والأفعال ، وبيان الفواعل التي هي الأسماء ، والقوابل التي هي المظاهر ، وبيان السعادة والشقاوة في الدارين ، وعدا ذلك من الأسرار . وهو إذ يبين وجوه التوحيد ، يدير الكلام على التوحيد الوجودي دون التوحيد الألوهي لينبه الأذهان إلى ما يخالط الأول من مفاسد ومهالك وإفراط وتفريط ، ليس أقلها الإباحة والحلول والاتحاد والتعطيل والتشبيه والكفر والزندقة والإلحاد . وبعد أن يعرف التوحيد الذاتي ( الذات ) والصفاتي ( الصفات ) يعرج على التوحيد الفعلي ( الأفعال ) . وبما أن فعل [ أ ] الله تعالى وتوحيده الأفعالي ، أي ما يسميه التنزل من حضرة الذات إلى حضرة الأسماء والصفات ، صدور الموجودات عنه ، فإنه ظهر أولا بصورة الحقيقة الكلية المسماة « بالإنسان الكبير » المخلوق على صورته . وهو « آدم الحقيقي » مقابل « آدم الصوري » وهذه الحقيقة ذات أسماء كثيرة بحسب اعتباراتها منها : النور والهباء والمادة
--> ( 1 ) نفسه : ص 223 . ( 2 ) نذكر ابن أبي الحديد وابن [ مظهر ] مطهر الحلي ومحمد باقر الخوانساري وابن أبي جمهور الأحسائي وابن ميثم البحراني . ( 3 ) العقيدة والشريعة : غولد تسيهر ص 146 . ( 4 ) جامع ، ص 49 - 50 .