حسن الأمين
127
مستدركات أعيان الشيعة
من الحي ، فإن كان من ذاته فقد حدث في الأزلي ما لم يكن فيه ، إذ تكون بمثابة من يقول عنه أنه في أزليته كان قابلا للحياة وغير قابل لها ، أي أنه يحمل الضدين وهو محال ، وأما إن كان ذلك من الحي - لا من ذاته - فكان الحي يفعل ما يمنع الحياة وهو محال . د - ولو كان كل واحد من الكونين الأولين حيا ميتا معا ، فلا يخلو أن يكون ذلك أما في الكل وأما في أحد أجزائه ، فان قلنا : أنه حي ميت في جزء دون جزء ، كان بين الجزء الحي والجزء الميت من الكون الواحد ، ما يكون بين الكونين اللذين يكون أحدهما حيا والآخر ميتا ، وأما إن كان ذلك في الكل ، فلن يخلو ذلك من أن يكون هذا في وقت واحد ، أو في وقتين مختلفين : 1 - فإن كان الكون الواحد حيا ميتا في وقت واحد ، كان هذا محالا . 2 - وإن كان حيا ميتا في وقتين مختلفين ، اقتضى ذلك أن يتحول الكائن الأزلي إلى صفة لم تكن فيه ، إذ لو كان في أزليته حيا ثم تحول ميتا ، أو كان ميتا ثم تحول حيا ، لحدث له ضد ما كان له في الأزل ، وهو محال ( 1 ) . 4 - الزمان : إذا فرضنا وجود كونين ، فليس يخلو الكونان الأزليان من أن يكونا : أما - أ - دائمين . وأما - ب - لا دائمين . وأما - ج - أحدهما دائما والآخر لا دائما . وأما - د - كل واحد منهما دائما ولا دائما . لكنهما لو كانا : أ - دائمين ، وكل دائم غير فان ، وما لم يكن فانيا فليس بمتغير ، وكل ممتزج متغير ، إذن لكان المزاج - أي مزج العناصر - معدوما ، لكنه موجود ، فكأننا نقول عن المزاج أنه معدوم موجود معا ، وهو محال . وإذا فرضنا أن حالة المزج هي التي كانت قائمة في الأزل ، لوقعنا في تناقض ، لأن العناصر لكي تمتزج ، لا بد لها أن تكون قبل مزجها منفردة صرفة ، فالمزاج يأتي بعد الصرفية ، وإذن فكأننا نقول أن المزاج أزلي والصرفية قبله ، وبهذا تجعل الأزلي مسبوقا بشيء سواه ، وهذا محال . ب - غير دائمين وهما أزليان ، فكأننا نقول عما هو أزلي أنه يبطل ويضمحل ، مع أن ذلك محال على الأزلي ، وبهذا نكون كمن يقول عن الأزليين أنهما يفنيان وأنهما دائمان ، وهو محال . ج - أحدهما دائما والآخر غير دائم ، وجب فيما هو دائم منهما ما ذكرناه في حالة الفرض بان الكونين دائمان ، ووجب كذلك فيما هو دائم منهما ما ذكرناه في حالة الفرض بان الكونين غير دائمين . د - كل واحد منهما - أو أيهما - دائما وغير دائم ، فقد وجب أن الأزلي يتحول إلى ما ليس من صفاته ، وهذا محال ( 2 ) . 5 - الفعل : إذا كان هذا العالم مزيجا من كونين قديمين لم يكن في الوجود سواهما ، وإذا كان امتزاج العناصر بعضها ببعض نتيجة حدثت عنهما ، وإذا كان هذا الحدوث هو فعلهما ، فلا يخلو الكونان من أن يكونا : أما - أ - كل واحد منهما يفعل المزاج في صاحبه . وأما - ب - أحدهما فقط هو الذي يفعل المزاج في صاحبه . وأما - ج - لا يفعل أي منهما المزاج في صاحبه . فلو كان : أ - كل منهما يفعل المزاج في صاحبه ، فلا يخلو الأمر من أن يكون هذا الفعل منهما أزليا أو محدثا . 1 - فإن كان أزليا ، كان المزاج أزليا ، والمزاج هو العالم بما فيه من كائنات ، إذن فالعالم أزلي ، وذلك رأي باطل . 2 - وإن كان المزاج محدثا ، كان ذلك بمثابة القول بان شيئا نشا عن لا شيء ، وهذا محال . وكذلك إذا كان فعلهما المزاج محدثا ، فليس يخلو الأمر من أن يكون : إما أنهما يتفاعلان في وقت واحد ، وإما أن أحدهما سبق بفعله فعل الآخر : 1 - فإن كان فعلهما المزاج معا وفي دفعة واحدة ، فكل واحد منهما مازج صاحبه وممزوج صاحبه ، والمازج غير الممزوج ، إذن فكل منهما غير نفسه وغير صاحبه في آن معا ، وهذا محال . 2 - وأما إن كان أحدهما سبق الآخر بفعله ، فلا يخلو السابق من أن يكون قد استنفد قوته الفاعلة فوقف فعله ثم بدأ الآخر يفعل ، أو أن يكون السابق لم تتناه قوته الفاعلة ، وفعل الآخر معه في وقت واحد . فان قلنا أن السابق قد تناهت قوته قبل أن يبدأ الآخر فعله ، فقد قلنا بالتالي أن اللامتناهي قد أصبح متناهيا وهذا باطل ، وأما إن قلنا إن الثاني بدأ فعله في نفس الوقت الذي كان الأول فيه ماضيا في فعله ، لزم عن ذلك ما أسلفناه ، وهو أن يكون كل منهما فاعلا في غيره ومنفعلا بغيره ، أي أنه غير نفسه وغير صاحبه في آن واحد ( غير نفسه لأنه ينفعل فيتغير عما كان ، وغير صاحبه لأنه فاعل فيه وصاحبه منفعل به ) وهذا باطل . ب - أما إن كان أحدهما فقط يفعل المزاج في صاحبه ، فلا يخلو هذا الفعل من أن يكون إما أزليا وإما محدثا : 1 - فإن كان أزليا كان المزاج أزليا ، وكان العالم أزليا كذلك ، وهذا باطل ( 3 ) .
--> ( 1 ) كتاب الخواص الكبير ، المقالة الثانية . ( 2 ) كتاب الخواص الكبير ، المقالة الثانية . ( 3 ) يقول ابن حيان في هذا السياق أن أزلية العالم - أي قدم العالم - هو مذهب سقراط ، وهو مذهب يرفضه ابن حيان كما رفضه معظم فلاسفة العصور الوسطى من مسلمين ومسيحيين ، لأنه يتنافى مع القول بان الله خلق العالم .