حسن الأمين

125

مستدركات أعيان الشيعة

إلى عواملها الأولية ، فكأني به قد أكتفى بتسجيل المشاهدات الشعبية السائدة بين عامة الناس ، فلم يتميز منهم بدقة العلماء . جدل الفيلسوف الفلسفة وقواعدها : كان جابر بن حيان فيلسوفا يصطنع جدل الفلاسفة ، بالإضافة إلى كونه عالما يؤسس علمه على مشاهدات وتجارب ، وهو يصرح بما يفيد أن مثله الأعلى من بين الفلاسفة الأقدمين هو سقراط ، إذ يصفه بأنه : « أبو الفلاسفة وسيدها كلها » ( 1 ) كما يقول عنه في موضع آخر ( 2 ) : إنه مثال الإنسان المعتدل ، مع تعريفه للشخص المعتدل بأنه هو الذي يستخرج الأشياء بطبعه ، ويقع له العلم بالبديهة في أول وهلة . إن جابرا ليؤمن بقيمة الفلسفة إيمانا يجعل الفلسفة عنده شرطا لا مندوحة عنه لارتقاء الإنسان في مدارج العقل ، حتى لتختلط عند جابر طائفة الفلاسفة بطائفة الأنبياء ، فهؤلاء من أولئك وأولئك من هؤلاء ، يقول : « إنه ليس براق من أغفل صناعة الفلسفة ، ولكنه راسب مضمحل إلى أسفل دائما » ( 3 ) وكذلك يقول : « إن الشرع الأول إنما هو للفلاسفة فقط ، إذ كان أكثر الفلاسفة أنبياء كنوح وإدريس وفيثاغورس وثاليس القديم وعلى مثل ذلك إلى الإسكندر » ( 4 ) . ويلخص جابر أصول التفكير الفلسفي في المبادئ الآتية : ( 5 ) . 1 - إن الأشياء لا تخلو من أن تكون قديمة أو محدثة . 2 - والقديمة المحدثة لا تخلو من أن تكون مرئية أو غير مرئية . 3 - والمرئي وغير المرئي لا يخلو من أن يكون مركبا أو بسيطا . 4 - وإن جزء المركب ليس هو كمثل المركب ولا يحكم به عليه ، وإن جزء البسيط كالبسيط وحكمه حكمه . 5 - وإن كان عظم فإنه متجزئ إلى ذاته ( بهذا يعني جابر أن كل بعد من الأبعاد يتجزأ إلى أجزاء من نوعه ، فالجزء من الخط خط ، والجزء من السطح سطح ، والجزء من الجسم ذي الأبعاد الثلاثة جسم ذو أبعاد ثلاثة ) . 6 - لا يكون تركيب إلا من جزءين ، ولا يكون تركيب الجزءين إلا بمركب لهما ( ومعنى ذلك أن وجود الأشياء المركبة يستلزم وجود التي تصل الأطراف بعضها ببعض ) . 7 - كل مركب لا بد من أن يكون ذا جهات . 8 - ولا يتصور في العقل أنه يمكن أن يكون عظم لا نهاية له ، فان ذلك سخف ، ولا ينبغي أن ينازع فيه ولا يمارى ، . فإنه مسلم في العقول السليمة ، وهي توجب ذلك . 9 - وأيضا فان المسافة التي لا نهاية لها لا يمكن أن تقطع في زمان ذي نهاية البتة . 10 - وأيضا فإنه لا يمكن أن يكون شيء لا نهاية له - لا جرما ولا فعلا ولا قوة . أ - وأيضا فإنه لا يمكن أن يكون لجرم لا نهاية له قوة ذات نهاية ، لأن ذلك يكون كالقائم القاعد في حالة واحدة . ب - ولا يمكن الجرم الذي لا نهاية له أن يتحرك بكله أو بعضه . ج - وينبغي أن تعلم بالضرورة أن العلة قبل المعلول بالذات . د - وأنه لا يمكن أن يكون ذات ما لا يكون لا علة ولا معلول . ه - وأيضا فإنه لا يمكن أن يرتفع عن جرم مركب صفة وضدها لا واسطة بينهما ، ولا أن يحكى أيضا ( أي أن ذلك ممتنع في الأعيان وفي الأذهان في آن معا ) . و - وأيضا فإنه لا يمكن أن يكون الفعل للشيء بالقوة أبدا ، ولا يتصور . ز - الذي لم يزل لا يبطل ولا يضمحل ( أي أن الكائن إذا كان أزليا غير ذي بداية زمنية ، كان أبديا لا يطرأ عليه تغير ولا يزول ) . ح - ولا يمكن أن تكون الحياة لجرم إلا بالنفس . ط - ولا يمكن أن يكون جرم قابلا للنفس بالفعل لا يكون حيا . 11 - لا يمكن أن يدخل جرم على جرم إلا ومكانهما جميعا أكبر من مكان أحدهما . أ - وأيضا أنه لا يمكن فراغ من جرم ( أي أن المكان الخلاء محال ) . ب - وأنه لا يمكن أن تكون الأجرام كوامن بعضها في بعض ، فإذا حدث بعضها من بعض كان حدوثها لعلة غير الكمون . تلك هي المبادئ الفلسفية العقلية الأولية ، التي لا يكون فكر سليم إلا في حدودها . الوجود واحد مطلق : ليس يخضع الوجود المطلق لما تخضع له الموجودات الجزئية المتناهية من اندراج تحت المقولات ، فهو منزه عن الكم والكيف والمكان والزمان والفعل والانفعال وغير ذلك مما تتميز به الأشياء ، فإذا فرضنا جدلا أن الواحد المطلق متصف بما تتصف به الكائنات الجزئية ، انتهينا إلى تناقض : 1 - الجوهر : فلو فرضنا أن ثمة وجودين ، فلن يخلو هذان الوجودان من أن يكونا :

--> ( 1 ) كتاب التجميع ، مختارات كراوس ، ص 389 . ( 2 ) نفس المرجع ، ص 377 . ( 3 ) كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، مختارات كراوس ، ص 37 . ( 4 ) كتاب البحث ، المقالة الخامسة . ( 5 ) كتاب الخواص الكبير ، المقالة الأولى .