حسن الأمين

124

مستدركات أعيان الشيعة

الآتية على التوالي : أس 2 س 2 ، أس 2 ، س ب 2 س 2 ( 1 ) . تكوين الحيوان : الرأي عند جابر بن حيان هو أن العالم الكيموي في مستطاعه أن يحول أي كائن إلى أي كائن آخر ، ما دامت هذه الكائنات من المركبات وليست هي من العناصر الأولية البسيطة ، فليس الأمر بمقصور على تحويل معدن إلى معدن وحجر إلى حجر ، بل أنه ليتعدى ذلك إلى عالمي النبات والحيوان بغير استثناء الإنسان نفسه ، وكل الفرق بين حالة وحالة هو في طريق السير في التجارب التي نجريها للتحويل ، فما يخرج من الحجر يرتد إلى حجر بطريق مباشر ، أما ما يخرج من النبات أو الحيوان فلا يرتد نباتا ولا حيوانا إلا إذا مر أولا بمرحلة الحجرية ( 2 ) ، أي أنك إذا أردت تحويل كائن حي إلى كائن حي آخر ، كان لا بد في ذلك من تحويل الكائن الحي المراد تحويله إلى جماد خال من الحياة أولا - أي إلى حجر - ثم بعد ذلك تجري التجارب التي تعيد تشكيل هذا الجماد على الصورة التي تكسبه الحياة على النحو المطلوب . ولعل أغرب ما في هذا الموضوع هو محاولة جابر صناعة الإنسان على أي صورة شاء ، وموضع الغرابة عندي هو أن يصدر هذا عن رجل يعتقد في ديانة تجعل خلق الإنسان من شان الله وحده ، فلا بد أن يكون ثمة وجه لتبرير ذلك عند جابر ولكني لا أراه ، وما أقرب الشبه بين الأحلام التي ساورت جابرا في زمانه من حيث محاولته خلق تكوينات حية شاذة عن الكائنات المألوفة ، أقول ما أقرب الشبه بين هذه الأحلام وبين ما قد تحقق هذه الأيام من « تطعيم » الحيوانات بعضها ببعض ، فيركبون أعضاء حيوان في جسم حيوان آخر وهكذا ، فانظر - مثلا - إلى جابر وهو يحدثنا عن الطريقة التي يمكن بها أن ننقل وجه رجل إلى جسم جارية ، أو أن ننقل بها عقل رجل إلى جسم صبي صغير ( 3 ) . ويعرض جابر عدة مذاهب في تكوين الكائن الحي - بما في ذلك الإنسان - فمنها : 1 - مذهب يجعل التكوين قائما على أساس آلي ، وذلك بتكوين الأجزاء ، ثم حلها وتركيبها على النحو المراد ( 4 ) . 2 - ومذهب يلجا إلى طريقة التعفين ، وذلك بان يوضع المثال المراد التكوين على صورته ، في جوف دائرة مصنوعة من نحاس وملؤها ماء ، ثم توضع دائرة النحاس في دائرة من الطين ، إلى آخر تفصيلات التجربة ( 5 ) . 3 - ومذهب يرى أن روح الكائن الحي لا يتولد إلا من الهواء ، وأصحاب هذا الرأي يجعلون المثال المراد التكوين على صورته ، في دائرة معدنية مثقوبة ثقوبا كثيرة ، وتكون فارغة ، ثم يضعونها في دائرة نحاسية مملوءة ماء ، وتوضع هذه الأخيرة بدورها في دائرة من طين ، وتوقد عليها النار إلخ ( 6 ) . 4 - ومذهب يقول أنه لا تكوين إلا بالمني داخل الصنم ، فيوضع مني الحيوان المطلوبة صورته في جسم من طين ، فإذا أريد - مثلا - صنع إنسان ذي جناح ، وضعنا مني الطائر صاحب ذلك الجناح في العجينة المصنوعة إلخ ( 7 ) . 5 - وطائفة ترى أن التكوين بالعقاقير والميزان ( 8 ) وأحسب أن عالمنا جابرا بن حيان هو من هؤلاء ( 9 ) . 6 - وطائفة ترى أنه يكون باستخدام دم الجنس المراد التكوين على مثاله ( 10 ) . ويفيض جابر القول في صنوف الحيوان كيف تصنع ، مما لا نرى موجبا لذكره مفصلا ، وحسبنا أن نشير إلى أن التقسيم الرباعي هو دائما أساس الصناعة عنده ، فالحيوان - كغيره من الكائنات - منه ما تغلب عليه الحرارة ومنه ما تغلب عليه البرودة ، فما تغلب عليه الحرارة يكون ذكيا سريعا ، وما تغلب عليه البرودة يكون بطيئا بليدا ، ويمكن تصنيف الحيوان على الفئات الأربع المعروفة : النار والهواء والماء والأرض ، فمنها ما هو في طبيعته أقرب إلى طبيعة النار ، ومنها ما هو أقرب إلى طبيعة الهواء ، وهلم جرا . ويهمنا الإنسان من بقية الحيوان ، فهو - على وجه الإجمال - من صنوف الحيوان التي تندرج تحت طبيعة الهواء ، ففيه عقل ونفس وبدن ، بالعقل يفهم ، وبالنفس يتحلى بصفات مثل الكرم والبخل والعلم والجهل وما إلى ذلك ، وأما البدن فهو مصنوع من العناصر الأربعة المعروفة ، ولما كانت الجوانب المميزة للإنسان مقرها الدماغ ، كان الأصل الذي منه يتكون هو الدماغ ، والدماغ ثلاثة أقسام : قسم للخيال ، وقسم للفكر ، وقسم للتذكر ( 11 ) . ويضع جابر قاعدة عامة لتكوين الحيوان وانحلاله ، وهي : « أن ما يتولد من شيء ما ، يكون هذا الشيء قوامه » فلو وضع في طبيعة تضاد طبيعته هلك ، ويتناول جابر عددا كبيرا من صنوف الحيوان فيصف لكل حيوان أنسب ظروف لتوليده ، فالحيات تتولد من الشعر الموضوع في زجاج ، والعقارب من التراب وعكر الدبس ، والزنابير من اللحم كثير التخريم ، أعني اللحم الميت ، والدود من اللحم الذبيح ، والبق من ثخين الخل ، والذباب من الأشياء الحلوة ، وهكذا . . . ملاحظات يجمعها جابر ولو كان أدق تحليلا لملاحظاته ، لرد هذه الظروف التي يتولد فيها هذا الحيوان أو ذاك

--> ( 1 ) هولميارد ، الكيمياء إلى عهد [ دولتن ] دولتين ، ص 20 . ( 2 ) كتاب السر المكنون الجزء الأول . ( 3 ) كتاب التجميع ، مختارات كراوس ، ص 344 . ( 4 ) نفس المرجع ، ص 344 - 346 . ( 5 ) نفس المرجع ، ص 347 . ( 6 ) نفس المرجع ، ص 438 . ( 7 ) نفس المرجع ، ص 349 . ( 8 ) نفس المرجع ، ص 349 . ( 9 ) نقول ذلك ، مع علمنا بان جابرا يقول في ختام الموضوع : « وينبغي لك أيها المتعلم أن تعلم أن جميع هذه الوجوه حق أيها عمل به » . ( نفس المرجع المذكور ، ص 350 ) . ( 10 ) هولميارد ، الكيمياء إلى عهد [ دولتن ] دولتين ، ص 20 . ( 11 ) نفس المرجع ، ص 371 - 372 .