حسن الأمين

123

مستدركات أعيان الشيعة

وعلى سبيل التطبيق الموضح لاستخدام هذه القوائم ، نقول : افرض أن الكلمة التي تزيد وزنها هي كلمة « ذهب » ، فانظر في حرف « ذ » أين يقع من الكلمة ؟ تجده يقع في مرتبة أولى ، فراجع قائمة المرتبة الأولى تجد حرف « ذ » يساوي قيراطا ، وانتقل إلى الحرف الثاني من الكلمة وهو « ه‍ » فراجع قائمة المرتبة الثانية تجد حرف « ه‍ » يساوي درهما ونصف درهم ، ثم انتقل إلى الحرف الثالث من الكلمة ، وهو « ب » ، فراجع قائمة المرتبة الثالثة تجد حرف « ب » فيها يساوي خمسة دراهم وخمسة دوانيق ، وإذن فكلمة « ذهب » تزن قيراط درهم ونصف درهم خمسة دراهم وخمسة دوانيق . خذ مثلا آخر ، كلمة « فضة » ، فابدأ بحذف الأحرف الزوائد وهي : التاء ، فيبقى لك منها « ف ض ض » ( فض ) : « الفاء » مرتبة أولى تساوي دانقا ونصفا ، « والضاد » مرتبة ثانية تساوي دانقا ونصفا ، والضاد مرتبة ثالثة تساوي دانقين ونصفا ، اجمع هذه المقادير يكن لك وزن الفضة . ويحذرك جابر أن « لا تعط المرتبة الأولى ولا شيئا من أجزائها ما قد حكم به للمرتبة الثانية ولأشياء من أجزائها ، لئلا يدخل بعض في بعض » ( 1 ) . هذه صورة مبسطة غاية التبسيط لطريقة الحساب التي يوزن بها شيء ما ، تمهيدا لتحويله إلى شيء آخر ، أو لتحويل شيء آخر إليه - لا فرق في هذا بين جماد ونبات وحيوان . ويلخص هولميارد ( 2 ) نظرية جابر في طبيعة المعادن تلخيصا موجزا ومفيدا - فيقول : إن جابرا قد تقدم تقدما واضحا على النظريات العلمية التي خلفها اليونان ، وعلى الصوفية الملغزة التي تركتها مدرسة الإسكندرية ، فللمعادن - عنده - مقومان : « دخان أرضي » و « بخار مائي » ، وتكثيف هذه الأبخرة في جوف الأرض ينتج الكبريت والزيبق ، واجتماع هذين يكون المعادن ، والفروق بين المعادن الأساسية ترجع إلى فروق في النسب التي يدخل بها الكبريت والزيبق في تكوينها ، ففي الذهب تكون نسبة الكبريت إلى الزيبق نسبة تعادل بين هذين العنصرين ، وفي الفضة يكون العنصران متساويين في الوزن ، أما النحاس ففيه من العنصر الأراضي أكثر مما في الفضة ، وأما الحديد والرصاص والقصدير ففيها من ذلك العنصر أقل مما في الفضة ، ولما كانت المعادن مكونة من مقومات مشتركة ، فان تحويل بعضها إلى بعض يصبح أمرا مستطاعا ، وعند ما يقوم الكيموي بهذا التحويل فإنه يؤدي في وقت قصير ما تؤديه الطبيعة في وقت طويل ، ولهذا يقال أن الطبيعة تستغرق ألف عام في صناعة الذهب ، على أن جابرا - فيما يظهر - لم يأخذ نظرية الكبريت والزيبق هذه مأخذا حرفيا ، بل فهمها على أنها صورة تقريبية لما يحدث ، إذ هو يعلم علما تاما بان الزيبق والكبريت العاديين إذا خلطا ومزجا لم ينتجا معدنا ، بل أنهما عندئذ ينتجان كبريتور الزيبق الأحمر ، ولهذا فالكبريت والزيبق اللذان تتكون منهما المعادن ليسا هما الكبريت والزيبق المألوفين ، بل هما عنصران افتراضيان يكون الكبريت والزيبق المألوفان أقرب شيء إليهما . وإن جابرا ليسوق في هذا الصدد ملاحظات تدل على إلمامه بالنظرية الذرية القديمة التي أخذ بها ديمقراطيس وأتباعه ، ولو نظرنا إلى ملاحظاته تلك على أنها تعبر عن رأيه في طبيعة التفاعل الكيموي لألفيناها جديرة بالذكر ، بل لوجدناها على درجة مذهلة من الدقة والوضوح . يقول جابر ما معناه : إنه حين يتحد الزيبق والكبريت ليكونا عنصرا واحدا ، فالظن هو أنهما يتغيران تغيرا جوهريا أثناء تفاعلهما ، وإن شيئا جديدا ينشأ عن ذلك التفاعل ، لكن الأمر على حقيقته هو غير ذلك ، ذلك أن الزيبق والكبريت كليهما يحتفظان بطبيعتهما ، وكل الذي حدث هو أن أجزاء كل منهما قد طرأ عليهما من التهذيب ما قربها من أجزاء الآخر تقريبا جعلهما يبدوان للعين كأنما هما متجانسان ، لكننا لو أوتينا الجهاز العلمي الملائم الذي نفصل به أجزاء أحدهما عن أجزاء الآخر ، لتبين أن كلا منهما قد ظل محتفظا بطبيعته الأصلية الثابتة ، فلم يطرأ عليه تحول ولا تغير ، فمثل هذا التغير والتحول محال عند الفلاسفة الطبيعيين . وإن علم الكيمياء ليسجل كشوفا هامة ، فهو مكتشف « الماء الملكي » Aqua Regia ، و « زيت الزاج » - حامض الكبريت - Sulphuric Acid ، و « ماء العقد » Nitric Acid ، و « حجر جهنم » - نترات الفضة - ( 3 ) Nitrate of Silver ، ويرجح أنه هو الذي ركب الزرنيخ ، وحجر الكحل من الزرنيخ ، الإثمد Ithmid ، وهي ما يرمز إليه في علم الكيمياء بالصيغ

--> ( 1 ) كتاب الأحجار على رأي بليناس ، الجزء الثاني ، مختارات كراوس ص 165 . ( 2 ) Holmyard , E . J . Chemistry tO the Time of Dalton ص 18 . ( 3 ) دائرة المعارف الإسلامية .