حسن الأمين

117

مستدركات أعيان الشيعة

ذهب ، وصار باطنه باردا يابسا وذلك فضة أو رصاص ، لأن منهم من قال إن باطن الذهب رصاص ومنهم من قال أن باطنه فضة وهي قولة حسنة ، ونحن نذكر ذلك كله وكيف يقلب فأعرفه . « إن الأصل في ذلك أن تعلم أولا أن من هذه الأجسام ما ينبغي أن تبطن عنصريه الظاهرين وتظهر عنصريه الباطنين حتى يكمل ويصير جسما غير فاسد على ما يراد من ذلك - وهو سرهم - وبعض هذه الأجسام ينبغي أن يستخرج له عنصر من باطنه فيظهر ، ويبطن فيه ضد ذلك العنصر ، ونحن نذكر ذلك لتعرفه . « إن الأسرب ( الرصاص ) بارد يابس في ظاهره رخو جدا ، وهو حار رطب في باطنه صلب ، ومعنى رخو وصلب أن كل جسم خلقه الله تعالى باطنه مخالف لظاهره في اللين والقساحة ، والدليل على ذلك أنه إذا قلبت طبائعه فرجع ظاهره باطنا وباطنه ظاهرا إن كان رطبا قسح ، وإن كان قاسحا ترطب ، فهذا ما في الأسرب من الكلام . « وأما القلعي ( القصدير ) فان أصله المتركب عليه أولا الأربع طبائع : فظاهره بارد رطب رخو ، وباطنه حار يابس صلب . . . فإذا أبطنت ظاهره ، وأظهرت باطنه قسح فصار حديدا . . . » وأما الحديد فاصله المتكون عنه الأربع طبائع ، وخص ظاهره من ذلك بالحرارة وكثرة اليبس ، فباطنه إذن على الأصل بارد رطب ، وهو كذلك ، وهو صلب الظاهر رخو الباطن ، وما في الأجسام أصلب منه ظاهرا ، فكذلك رخاوة باطنه على قدر صلابة ظاهره على الأصل ، وكذلك يكون بالتدبير إذا قلبت أعيانه ، والذي على هذا المثال الزيبق ( 1 ) ، فان ظاهره ( أي ظاهر الحديد ) حديد وباطنه زيبق ، فالوجه في صلاحه أن تنقص يبوسته فان رطوبته تظهر فيصير ذهبا ، لأن رطوبته إذا ظهرت بطنت يبوسته . . . أو فأنقص حرارته فان برودته تظهر وتبطن الحرارة بظهور البرودة فيصير فضة يابسة ، أو فأنقص يبوسته قليلا فإنه يصير فضة لينة ، فهذا ما في الحديد من الوصف والحد . وأما الذهب فحار رطب في ظاهره بارد يابس في باطنه ، فرد جميع [ الأجساد ] الأجسام إلى هذا الطبع فإنه طبع معتدل . . . « وأما طبع الزهرة ( النحاس ) الذي هي عليه فالحر واليبس ، وهو دون الحديد ، لأن أصله حار رطب ذهب ، فلما لحقه اليبس في المعدن أفسده ، فاقلع يبسه فإنه يعود إلى طبعه ( 2 ) . « وأما الزيبق فان طبعه البرد والرطوبة في ظاهره والرخاوة ، وباطنه حار يابس صلب بلا شك ، فظاهره زيبق وباطنه حديد ، كما أن باطن الحديد زيبق وظاهره حديد ، فان أردت نقل الزيبق إلى أصله ، فالوجه أن تصيره أولا فضة ، وهو أن تبطن رطوبته وتظهر يبوسته ، فإنه يصير حينئذ فضة ، وقد تمت المرتبة الأولى ، فان أردت تمام ذلك فاقلب الفضة كما هي حتى يرجع ظاهرها باطنا وباطنها ظاهرا في الطبيعتين جميعا : الفاعلة والمنفعلة ، فيكون ظاهرها حارا رطبا ذهبا ، وباطنها باردا يابسا حديدا ، فهذا ما في الزيبق ( 3 ) . « وأما الفضة فاصلها الأول ذهب ، ولكن أعجزها البرد واليبس فأبطنت في باطنها الذهب فظهر الطبع الذي غلب فصار ظاهرها فضة وباطنها ذهبا ، فان أردت ردها ذهبا فابطن برودتها فان حرارتها تظهر ، ثم أبطن بعد ذلك اليبس فان الرطوبة تظهر وتصير ذهبا ، فهذا ما في الأجسام كلها من التدابير والسلام » . هذه مقالة بأسرها نقلناها لك بنصها عن جابر بن حيان ، لأنها في صناعته أساس ومحور ، فالأساس - كما ترى - هو أن الطبائع الرئيسية لشتى المعادن - بل للكائنات كافة - هي أربع : الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ، فلو عرفت طبع الشيء الذي تريد أن تحصل عليه ، كان في وسعك أن تلتمسه بتحويل طبائع المادة التي بين يديك حتى ترتد إلى الطبع المقصود ، وهو كلام بعيد عما تالفه آذاننا اليوم ، لكننا لو أردنا أن نسبغ عليه من الألوان ما يقربه إلى مفاهيمنا العلمية اليوم - وليس هذا بالأمر الضروري في تاريخ الفكر ، فليس عالم الأمس مسؤولا أمام عالم اليوم مهما يكن بينهما من اختلاف بعيد ، لكنه لولا عالم الأمس لما كان عالم اليوم - أقول برغم ذلك إننا لو أردنا أن نسبغ على نظرية جابر - وهي نظرية العلم القديم كله - لونا يقربها إلى عقولنا اليوم ، لما كان علينا إلا أن نتذكر أساس النظرية الطبيعية في عصرنا الراهن ، وهو أن كل ما تحويه الطبيعة من أشياء مركب من ذرات ، ومهما اختلفت هذه الذرات في أوزانها ، فمادتها الخامة مؤلفة من ثلاثة أصول : الالكترونات ، والبروتونات ، والنيوترونات ، أما الأولى فمشحونة بشحنة كهربية سالبة ، وأما الثانية فمشحونة بشحنة كهربية موجبة ، وأما الثالثة فمتعادلة كهربيا ومن هذه الأصول الثلاثة يتالف كل شيء ، حتى ليجوز من الوجهة النظرية أن تحول العناصر بعضها إلى بعض إذا عرفت كيف تزيد هنا وتنقص هناك من هذه الأصول الأولية ، حتى تحصل على النسب المطلوبة التي منها يتكون الشيء المقصود ، فلو كان ابن حيان قد تكلم بلغة الحرارة والبرودة ، وعلماء هذا العصر يتكلمون بلغة الكهارب السالبة والموجبة ، فقد يكون الفرق أقرب مما نتوهم ، إذا ترجمنا الحرارة إلى معناها الحقيقي ، وهو الحركة ، فالحرارة حركة سريعة في الذرات والبرودة حركة بطيئة ، فإذا كانت الحرارة والبرودة - أو أن شئت فقل إذا كانت درجات الحرارة المتفاوتة هي في الحقيقة درجات من الحركة متفاوتة ، ثم إذا كانت هذه الحركة بدرجاتها المتفاوتة هي طاقة - إن لم تكن الطاقة الكهربية بذاتها - فيمكن تحويلها إلى طاقة كهربية ، إذن فيكاد يتشابه القولان في الطبيعة : القول الذي يقول أن الأصول الأولية للأشياء حركة بدرجاتها المتفاوتة ، والقول الذي يقول أنها كهرباء - ولم نذكر الرطوبة واليبوسة من الطبائع الأربع التي أخذ بها جابر ، لأنهما صفتان

--> ( 1 ) أي أن باطن الحديد مساو لظاهر الزيبق : باطن رطب رخو . ( 2 ) أي أن تحويل النحاس إلى ذهب يقتضي أن تزيل عنه يبوسته لتحل محلها ليونة ، فيصبح الظاهر حارا رطبا وهي صفات الذهب . ( 3 ) أي أن تحويل الزيبق إلى ذهب يقتضي السير في مرحلتين .