حسن الأمين
118
مستدركات أعيان الشيعة
منفعلتان ، أي أنهما تتفرعان عن الصفتين الفاعلتين اللتين هما : الحرارة والبرودة . ولا يقتصر الإكسير - تحويل الكائنات - على المعادن عند جابر ، بل أن الأمر عنده ليمتد إلى الكائنات جميعا ، فلا فرق بين رد النحاس إلى ذهب ، وبين رد المريض إلى إنسان سليم البدن ، فكلتا الحالتين تحويل للطبائع الفاسدة القائمة إلى طبائع سليمة ، ومن هنا كانت العلاقة وثيقة بين الكيمياء والطب ، فالأولى معالجة المعادن الخسيسة لترد معدنا نفيسا : والثاني معالجة الأبدان المريضة لترتد صحيحة ، وأساس العمل في الحالتين واحد - هو ما يطلق عليه اسم « الإكسير » . وسأذكر فيما يلي شيئا مما يرويه جابر عن نفسه فيما كان يؤديه في تطبيب المرضى : قال مخاطبا سيده ( 1 ) الذي كثيرا جدا ما يوجه إليه الخطاب : « وحق سيدي لقد خلصت به ( أي بالإكسير ) من هذه العلة أكثر من ألف نفس ، فكان هذا ظاهرا بين الناس جميعا في يوم واحد فقط » . « ولقد كنت يوما من الأيام بعد ظهور أمري بهذه العلوم ، وبخدمة سيدي عند يحيى بن خالد ( 2 ) - وكانت له جارية نفيسة لم يكن لأحد مثلها جمالا وكمالا وأدبا وعقلا وصنائع توصف بها ، وكانت قد شربت دواء مسهلا لعلة كانت بها ، فعنف عليها بالقيام ثم زاد عليها ، إلى أن قامت ما لم يكن من سبيل مثلها الخلاص منه ، ولا شفاء له ، ثم ذرعها مع ذلك القيء ، حتى لم تقدر على النفس ولا الكلام البتة ، فخرج الصارخ إلى يحيى بذلك ، فقال لي : يا سيدي ما عندك في ذلك ؟ فأشرت عليه بالماء البارد وصبه عليها ، لأني لم أرها ولم أعرف في ذلك الشفاء للسموم ولقطعه مثل ذلك ، فلم ينفعها شيء بارد ولا حار أيضا ، وذلك أني كمدت معدتها بالملح المحمى وغمرت رجليها ، فلما زاد الأمر سألني أن أراها ، فرأيت ميتة خاملة القوة جدا ، وكان معي من هذا الإكسير شيء ، فسقيتها منه وزن حبتين بسكنجبين صرف - مقدار ثلاث أواق - فوالله وحق سيدي لقد سترت وجهي عن هذه الجارية ، لأنها عادت إلى أكمل ما كانت عليه في أقل من نصف ساعة زمانية ، فأكب يحيى على رجلي مقبلا لهما ، فقلت له : يا أخي لا تفعل ، فسألني فائدة الدواء ، فقلت له : خذ ما معي منه ، فلم يفعل ، ثم أنه أخذ في الرياضة والدراسة للعلوم وأمثال ذلك إلى أن عرف أشياء كثيرة ، وكان ابنه جعفر أذكى منه وأعرف » . « وكانت لي جارية فأكلت زرنيخا أصفر - وهي لا تعلم - مقدار أوقية ، فيما ذكرت ، فلم أجد لها دواء بعد أن لم أترك شيئا مما ينفع السموم إلا عالجتها به ، فسقيتها منه وزن حبة بعسل وماء ، فما وصل إلى جوفها حتى رمت به بأسره وقامت على رسمها الأول . . . » . « وكنت يوما خارجا من منزلي قاصدا دار سيدي جعفر ( 3 ) صلوات الله عليه ، فإذا أنا بإنسان قد انتفخ جانبه الأيمن كله ، وأخضر حتى صار كالسلق - لا بالمثال ولكن بالحقيقة - وإذا قد بدت الزرقة منه في مواضع ، فسالت عن حاله فقيل لي : أفعى نهشته الساعة فأصابه هذا ، فسقيته وزن حبتين بشدة في سقيه بماء بارد فقط ، لأني خفت أن يتلف سريعا ، فوالله العظيم لقد رأيت لونه الأخضر والأزرق وقد حالا عما كانا عليه إلى لون بدنه ، ثم ضمرت تلك النفخة حتى لم يبق منها شيء البتة ، وتكلم وقام وانصرف سالما لا علة به . . . » . الخواص والموازين : دراسة خواص الأشياء - حية كانت أو جامدة - أمر لا مندوحة عنه للعلم كله ، فمهما تكن طبيعة الجسم المراد تغييره ، ومهما تكن طبيعة الجسم المراد الحصول عليه ، فلا مناص للعالم من معرفة تحليلية يعرف بها نقطة البدء ونقطة الانتهاء . وإلا لجاء عمله خبطا على غير هدى ، ولقد أفرد ابن حيان لدراسة الخواص أكثر من كتاب ، أهمها كتابه « الخواص الكبير » ( 4 ) - فيقول جابر في المقالة الأولى من كتاب الخواص الكبير أن جملة كتبه التي كتبها في الخواص واحد وسبعون كتابا ، « منها سبعون كتابا ترسم الخواص ، ومنها كتاب واحد يعرف بخواص الخواص ، وهو أشرف هذه الكتب » . « والخاصية كلمة شاملة للأسباب التي تعمل الأشياء الوحية السريعة بطباعها ، وإن فيها نوعا آخر يعمل للأشياء بإبطاء ، وإنها قد تنقسم أقساما : فمنها ما يكون تعليقا ، ومنها ما يكون شربا ، ومنها ما يكون نظرا ، ومنها ما يكون مسامتة ، ومنها ما يكون سماعا ، ومنها ما يكون شما ، ومنها ما يكون ذوقا ، ومنها ما يكون لمسا . . . » ( 5 ) . ويضرب لنا جابر الأمثلة لهذه الأنواع المختلفة فيقول عن « التعليف » أن العنكبوت إذا علق على صاحب حمى الربع ( ؟ ) أبرأه بإبطاء ، والذراريح تقعل مثل ذلك ، فإذا جمعا وعلقا على صاحب الحمى ، أبرءاه سريعا ، وكذلك مما يعمل بالتعليق « البيوت التسعة » ( 6 ) التي فيها خمسة عشر من العدد كيف قلبت ، فهي نافعة لتيسير الوضع للحبالى ، وهذه هي صورة « البيوت التسعة » : 492 357 816 ويضرب مثلا على « المشروب » فيقول : أن السقمونيا يخرج الصفراء ، كما يضرب المثل على خواص « النظر » فيقول : إن الأفعى البلوطي الرأس إذا رأى الزمرد الخالص عمي وسالت عينه لوقتها وحيا
--> ( 1 ) كتاب الخواص الكبير ، المقالة السادسة . ( 2 ) هو يحيى بن خالد البرمكي . ( 3 ) هو جعفر الصادق . ( 4 ) يقول هولميارد إن : « كتاب الخواص الكبير » هو أهم مؤلفات جابر - راجع ص 16 من كتاب « الكيمياء إلى عهد [ دولتن ] دولتين » . ( 5 ) كتاب الخواص الكبير ، المقالة الأولى . ( 6 ) إخراج ما في القوة إلى الفعل ، مختارات كراوس ، ص 75 - وقد ذكر جابر اسم « البيوت التسعة » بغير شرح ، فشرحناه .