حسن الأمين

108

مستدركات أعيان الشيعة

معلومة ، حتى نرانا ملزمين بالضرورة العقلية أن نفرض قيام ضروب من التشكل والتعين ، هي التي نسميها بالمقولات ، والتي قسمها أرسطو إلى عشرة ، فهل بوسعك أن تتصور شيئا يتخذ شكلا معينا دون أن تفرض أنه لا بد أن يكون ذا كم معلوم ، وذا كيف معلوم ، وذا زمان يحدث فيه ، وذا مكان يتخذ حيزه في أبعاده ، وذا علاقات متصلة بسواه ، وذا لواحق تتبعه ، وذا وضع يتخذه ، وذا فعل يصبه على غيره ، وذا انفعال يتلقى به فعل غيره عليه ؟ هذه إذن هي المقولات العشر التي تفرض نفسها على العقل فرضا ، إذا أراد هذا العقل أن يتصور أن شيئا ما سيطرأ عليه تشكل وتعين . ويحدد جابر المراد بهذه المقولات ، فاما الجوهر فهو - كما أسلفنا - الشيء القابل للتشكل على أي صورة ، فيه كل شيء ومنه كل شيء يتركب ، وإليه ينحل كل شيء ، فلئن اختلف الحيوان والنبات والجماد في خصائص تميزها ، فهي كلها مشتركة في جوهر واحد يدرك بالعقل لا بالحس ، « فليس يمكن أحدا لمسه ، ولا إذا مسه وجد له لمسا ، ولا يقدر أن يأخذ منه شيئا بيده » ( 1 ) . هذا الجوهر من شانه أن يحمل الصفات الأولية : يحمل الحرارة أو البرودة أو اليبوسة أو الرطوبة ، ولئن كانت هذه الصفات الأولية تجريدات وليست أجساما إلا أنها ذوات وزن ، وأما الجوهر فهو جرم وذو وزن - نعم أن هنالك من الفلاسفة من يدرجون الجوهر مع الأوليات ويجعلونها بلا وزن ، لكن « هذا كلام من لم يستغرق في العلم حق استغراقه ، وإنما نظر فيه صفحا » ( 2 ) « فإنه قد وجب الآن على التحقيق أن للحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة أوزانا وأن للجوهر وزنا ، لا بد من ذلك ، وإلا فوجب أنا إذا جمعنا ما لا يرى ولا يوجد - مثلا في الحرارة واليبوسة - إلى ما لا يرى ولا يوجد ، ولا وزن لأحد منهم ، لم يكن منه شيء ، وكذلك إذا جمعنا لا شيء إلى لا شيء كان من الجمع لا شيء ، وكذلك لو جمعنا ما لا يوجد ولا يرى ولا وزن له - وهو مثل البرودة واليبوسة - إلى ما لا يوجد ولا يرى ولا له وزن ، كان منه شيء لا يرى ولا يوجد ولا له وزن ، وبطل سائر تلك المحمولة عليه ، لأن قولنا : لا يوجد ولا يرى ولا وزن له ، إنما هو حد اللاشيء » ويمضي ابن حيان في حديثه هذا فيقول : إننا إذ نقول عن الطبائع الأولية أنها لا توجد وعن الجوهر أنه لا يوجد ، فما ذاك إلا لأن كلا منها لا يوجد منفردا ، ولا يرى منفردا ، وإذا حسبنا أنه لا وزن له ، فذلك للطافته ودقته ، وأما أن نسمع فلا سفة يعدمون هذه الأشياء وزنها ووجودها ورؤيتها فذلك قول منهم بلغ من الخطا أقصاه . وأما الكمية فهي الحاصرة المشتملة على كل ما تقوله عن المقدار العددي لشيء ما ، وعن الأعداد بصفة مطلقة ، كان تقول : إن عددا مساو لعدد ، أو إن عددا مخالف لعدد ، مع تطبيق هذا التساوي والاختلاف العدديين على الأوزان والمكاييل وما إلى ذلك . وأما الكيفية فهي التي تتناول الشيء من حيث كونه طويلا أو قصيرا ، منحرفا أو قائما ، حارا أو باردا ، وسائر ما فيه من صفات ، فلئن كان الكم منوطا بمقداره ، فالكيف منوط بأوصافه ، فإذا سألناه عن الأول سألنا بكلمة : كم ؟ وإذا سألنا عن الثاني سألنا بكلمة : كيف ؟ فإذا سالت عن إنسان : كم هو ؟ كان الجواب : هو واحد ، أو سالت كم يكون وزنه ؟ قيل لك إنه كذا وكذا رطلا ، أما إذا سالت عنه بقولك : كيف هو ؟ كان الجواب : هو يقوم ويقعد ويتكلم ويضحك وهو أسمر أو أبيض وأسود أو أحد الألوان ، وله شعر وله جلد وله عروق . . . فما كان من صفة دخل تحت الكيفية ، وما كان من مقدار دخل تحت الكمية . « وأما الزمان فهو الذي يقطع به من حال إلى حال ، مثل أن تكون قاعدا فأنت في زمانك قاعد ثم تقوم ، فذلك الذي منه ابتداء قيامك من جلوسك هو الزمان ، وهو واحد ما دمت قائما ، وإذا جلست فهو أيضا زمان وأنت فيه ، والزمان واحد » ، فليس اختلاف أزمنة الحوادث في الأشياء المختلفة بمقتضى التعدد في الزمان من حيث طبيعته ، إذ هو زمان واحد وفيه يحدث التغير من حال إلى أخرى ، وللزمان كم وكيف : فكميته هي التي يجاب بها عن مثل سؤالنا : كم مقدار ما كان زيد قاعدا ؟ وأما في الكيف فهو أن تقول : كان الزمان حارا أو باردا ، ولذلك وجب أن نقدم الكم والكيف على الزمان والمكان . « وأما المكان فهو الذي ليس يخلو شيء من أن يكون في مكان بتة » فلا مندوحة للشيء عن أن يكون في موضع ما حتى يتاح له أن يحمل هذه الصفة أو تلك . وأما النبات « فالقول فيه كالقول في الحيوان » وهو حلقة وسطى بين الحيوان في طرف والحجر في طرف آخر ، أما أنه كالحيوان فذلك من حيث أن له نفسا وجوهرا وحرارة وبرودة ويبوسة ورطوبة ، وكلها محصورة في مكان وفي زمان ، فلا ينقصه إلا العقل الذي خصصنا به القسم الشريف من الحيوان ، وأعني به الإنسان ، « فكل موجود ذو نفس ، وليس ذا عقل » . هذا ما يقوله جابر عن النبات في كتاب التصريف ، لكنا نراه في كتاب آخر ، هو كتاب التجميع يقول قولا آخر ، إذ يقول ما معناه أن النبات فيه ما في الحيوان من جوانب « إلا شيئين ، فان النبات غير محتاج إليهما ، وهما النفس والعقل » ( 3 ) وهو في كتاب التجميع يعقد موازنة بين الحيوان والنبات من حيث تفصيل الأعضاء في كل منهما : ففي النبات الورق والثمر واللحاء كما أن في الحيوان العظام والعروق واللحم وغير ذلك ، ولعله أراد بالموازنة أن يبين أن الدماغ في الحيوان لا يقابله شيء في النبات ، مما يستلزم أن نخص الحيوان بالنفس وحدها أو بالنفس والعقل معا ، ولا نجعل هذه الصفة للنبات .

--> ( 1 ) كتاب التصريف ، مختارات كراوس ، ص 400 - 401 . ( 2 ) كتاب التصريف ، مختارات كراوس ، ص 400 - 401 . ( 3 ) كتاب التجميع ، مختارات كراوس ، ص 380 .