حسن الأمين
109
مستدركات أعيان الشيعة
وكذلك يوازن بين النبات والحيوان من حيث الطبائع ( 1 ) ، وهاهنا يجد تشابها بينهما ، في أن كلا منهما ينقسم ثلاثة أقسام في مراحله التطورية ، وهي : الأول ، والبليد ، والذكي - وهو تقسيم قريب الشبه جدا بما نجده عند كثيرين من الفلاسفة الذين يقسمون الكائنات الحية الشاعرة على أساس درجة الإدراك مثل الذي نراه عند ليبنتز واسپينوزا ، فهنالك نجد المرحلة الأولى هي مرحلة اللا شعور ، وهي المرحلة التي تتمثل في النبات مثلا ، ثم مرحلة الشعور ، وهي التي تتمثل في الحيوان ، ثم مرحلة الشعور بالذات ، وهي التي تتمثل في الإنسان الذي يشعر ويكون على وعي بأنه شاعر - ونعود إلى جابر في تقسيمه للحيوان والنبات إلى : أول ، وبليد ، وذكي ، وهاهنا نجد لمحة منهجية رائعة ، حين يقول ما معناه : انني لم أقسم النبات إلى هذه الأقسام الثلاثة لمجرد علمي بان الحيوان ينقسم إليها ، بل إنني قسمته إلى هذه الأقسام لأنني وجدته كذلك ، ومعنى هذا أن جابرا لا يقيم أحكامه العلمية على تأمل ، بل يقيمها على تجربة ، وأيا ما كان الأمر ، فالتقابل هنا تام بين الحيوان والنبات : الأول في الحيوان كالأول في النبات ، والبليد هنا كالبليد هناك ، وكذلك الذكي ، وبليد النبات عنده هو الذي يبقى برهة من الزمان يسيرة ثم يذهب ، كما قد نجد في الحيوان مثل ذلك ، ولم يضرب لنا جابر من النبات أمثلة تحدد ما ذا يعني بالجانب الذكي منها . وأما الحجر - أي الجماد - فهو ينقسم ثمانية أنواع ، وكل واحد من تلك الأنواع الثمانية ينقسم ثلاثة أقسام ( 2 ) ، وذلك على الوجه الآتي : أ - متحجر ، منسحق ، غير ذائب . ب - متحجر ، غير منسحق ، غير ذائب . ج - متحجر ، غير منسحق ، ذائب . د - متحجر ، منسحق ، ذائب . ه - غير متحجر ، غير منسحق ، غير ذائب . و - غير متحجر ، غير منسحق ، ذائب . ز - غير متحجر ، منسحق ، غير ذائب . غير متحجر ، منسحق ، ذائب . ويعتقد جابر أن المركبات الثلاثة : الحيوان والنبات والحجر ، تتفاوت صعوبة تكوينها على هذا الترتيب نفسه ، فالحيوان أسهلها والنبات وسط بين السهولة والصعوبة والحجر أصعبها جميعا . بنية الكون : ( 3 ) إنه ينبغي أن نتصور دائرة لا نهاية لآخرها ، ذات صلة مباشرة بأول طبقة من طبقات الأشياء الداخلة فيها ، فهذه الدائرة هي ما يسميه الفلاسفة بالعلة الأولى ، وهي علة فاعلة ، تتصف بأنها قادرة على العقل ، وأنها عاقلة ، وأنها لا تعقل إلا الصواب ، والخير ، والعدل ، وما فيه للنفس فرح وراحة وأمثال ذلك ، إلى ما لا آخر له مما توصف بها هذه الدائرة . . . ولو قلنا هذا المعنى بعبارة أقرب إلى إفهامنا ، كانت العلة الأولى لا متناهية ، فاعلة ، تدرك الحق ، وتفعل الخير ، وتخلق الجمال ، فهي عاقلة - لا بمجرد قابليتها واستعدادها ، بل هي عاقلة بالفعل ، والعقل عندها مداره قيم الحق والخير والجمال : فالحق في أنها لا تدرك إلا الصواب ، والخير في أنها لا ترى ولا تفعل إلا الخير والعدل ، والجمال في أنها لا تفعل إلا ما يعود على النفس بالنشوة والفرحة والراحة . ودون هذه الدائرة دائرة أخرى لها الإدراك العقلي لكن ليس لها القدرة على الفعل ، فهي تعلم ولا تعمل ، هي تتصور الأمور كلها باطنها وظاهرها ، جليلها ودقيقها ، عامها وخاصها ، لكنها لا تخلق ولا تحرك . وفي جوف هذه الدائرة الثانية دائرة ثالثة ، وهي - على خلاف الثانية - تعمل ولا تعلم ، فهي فاعلة قادرة ، لكنها جاهلة ، فالدائرة الثالثة تساوي الأولى في فعلها وفي قدرتها ، لكنها تختلف عنها في أنها جاهلة والأولى عاقلة ، وتختلف الثالثة عن الثانية في الوجهين معا : العلم والفعل ، فالثانية ذات علم والثالثة جاهلة ، والثانية عاطلة عن الفعل والثالثة فاعلة ، وهذه الدائرة هي النفس . وفي داخل دائرة النفس دائرة رابعة ، لا تعلم ولا تجهل ، ولا تفعل ولا تنفعل ، وهي عالم الجوهر - عالم الهباء المنثور - الذي منه بنية هذا العالم ، وهو الذي يسميه قوم بالهيولى ( انظر شكل 2 ، 3 ) . وبعد تصورنا لهذه الدوائر التي يحتوي بعضها على بعض : الدائرة الأولى وفي جوفها دائرة العقل ، وفي جوف هذه دائرة النفس ، وفي جوف هذه دائرة الجوهر ، لنتصور أيضا أن الزمان والمكان قائمان في جوانب هذه الدائرة الأخيرة ، وفي جوفها - أعني في جوف دائرة الجوهر - فلنتصور دائرة أخرى ، هي دائرة العناصر البسائط ، وهي الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ، أما كيف ترتب هذه العناصر داخل دائرة الجوهر فأمر مختلف عليه ، فطائفة تقول إن دائرة الجوهر تنقسم بخطين متقاطعين إلى أربعة فيكون كل ربع منها مقاما لواحد من العناصر الأربعة ، كما يتضح من الرسم الآتي : وطائفة ثانية تذهب إلى أن دائرة الجوهر تضم في جوفها أربع دوائر منفصل بعضها عن بعض ، وكل دائرة منها تمثل واحدا من العناصر الأربعة ، كما يتضح من الرسم الآتي : وطائفة ثالثة تقول إن داخل دائرة الجوهر دوائر ، الأوسع منها تضم في جوفها الأضيق ، وهكذا ، بحيث تكون أوسعها دائرة الحرارة - وهي أحد العنصرين الفاعلين : الحرارة والبرودة - وتليها دائرة العنصر الذي هو منفعل الحرارة ، وأعني به اليبوسة ، ثم تليها دائرة ثالثة هي دائرة العنصر الفاعل الثاني ، وهو البرودة ، وأخيرا تجيء دائرة رابعة للعنصر المنفعل للبرودة ،
--> ( 1 ) نفس المرجع ، ص 381 . ( 2 ) كتاب التصريف ، مختارات كراوس ، ص 402 . ( 3 ) كتاب التصريف ، مختارات كراوس ، ص 406 - 414 .