حسن الأمين

107

مستدركات أعيان الشيعة

على اليبوسة فتنتج الأرض ( 1 ) . ونوضح هذا بالجدول الآتي : الحرارة فاعلة واليبوسة منفعلة - النار . الحرارة فاعلة والرطوبة منفعلة - الهواء . البرودة فاعلة واليبوسة منفعلة - الأرض . البرودة فاعلة والرطوبة منفعلة - الماء . فبين المركبات الأربعة ، النار والهواء والأرض والماء تقابل بعضه ناقص وبعضه تام : فبين النار والأرض تقابل ناقص لأنهما مشتركتان في اليبوسة ومختلفتان في أن النار حارة والأرض باردة ، وكذلك بين الماء والهواء تقابل ناقص ، لأنهما مشتركتان في الرطوبة ومختلفتان في أن الماء بارد والهواء حار ، أما الأرض والهواء فبينهما تقابل تام لأنهما مختلفتان في كل شيء ، فالأرض باردة والهواء حار ، والأرض يابسة والهواء رطب ، وكذلك بين النار والماء تقابل تام ، فالنار حارة والماء بارد والنار يابسة والماء رطب ، ونوضح هذا بالرسم الآتي : ولما كان الهواء والماء والنار والأرض مركبات ، كل مركب منها مؤلف من عنصرين أوليين ، كان في مستطاع المجرب أن يقيم التجارب ليرد كل مركب منها إلى عنصريه البسيطين ، فالماء - مثلا - برودة ورطوبة معا ، فإذا أردنا أن نطرح منه رطوبته لنستبقي برودته وحدها ، أمكن ذلك بتجربة تجربها على الوجه التالي : « وجه التدبير أن تلقي الماء في القرعة وتترك في القرعة شيئا فيه يبس شديد قوي ، كالكبريت وما جانسه ، فان الرطوبة نشفتها اليبوسة والحرارة ، ويحرق ما فيه من الرطوبة ، فتبقى البرودة مفردة » ( 1 ) وهكذا نستطيع أيضا أن نتصرف إزاء الحار اليابس ، فننبذ حرارته ونستبقي يبوسته ، أو ننبذ يبوسته ونستبقي حرارته ، حسب حاجتنا فيما نجريه من تجارب علمية . وعلى الطبائع الأولية الأربع يتوقف كثير من الصفات ، بحيث يكفينا العلم ببعض جوانب شيء ما لنستدل جوانبه الأخرى ، ما دامت صفاته وليدة طبيعته الأولى ، فلو عرفنا هذه استنتجنا تلك ، ولو عرفنا تلك استنتجنا هذه ، مثال ذلك أن تلحق صفة الخفة بالحار واليابس ، وصفة الثقل بالبارد والرطب ، والحرارة يلحقها العلو كالنار تتجه دائما إلى أعلى ، والبرودة يلحقها الهبوط إلى أسفل ، كالحجر يتجه دائما إلى أسفل ، والرطوبة يلحقها الحركة الأفقية فلا هي إلى أعلى ولا هي إلى أسفل ، كالماء ينساح عرضا ، فلو ترك إلى طبيعته لما علا ولا هبط ، بل ركد في سطح مستو ، واليابس شانه أن يتغلغل في دواخل الأشياء ، كالهواء يتسلل خلال دقائق الشيء - فنستطيع - إذن - أن نقول إن الطول من توابع الحرارة ، والقصر من توابع البرودة ، والعرض من توابع الرطوبة ، والعمق من توابع اليبوسة ( 1 ) . الفلك وجرم الفلك : أما الفلك فهو الإطار الخارجي للكون ، وأما جرمه فهو ما يملأ ذلك الإطار ، والإطار الخارجي - عند جابر - هو الأوليات الأربعة : الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ، وعلى أساسها تتركب الأشياء بشتى صنوفها ، لكن هذه الأوليات الأربعة نفسها - كما قدمنا - ليست بمنزلة واحدة في إطار الكون ، بل فيها اثنان فاعلان هما : الحرارة والبرودة ، واثنان منفعلان هما : اليبوسة والرطوبة ، فصور لنفسك كرة تدور على محور ، يكن سطح الكرة بمثابة الحرارة ، ويكن المحور بمثابة البرودة ، فإذا ما دارت الكرة نتج عن دورانها يبوسة ورطوبة ، وبهذا تتكامل الأوليات الأربعة ( 2 ) ، أعني يتكامل « الفلك » أو إن شئت فقل يتكامل الإطار . وبعدئذ يجيء ما يملأ ذلك الإطار ، وأول ذلك هو الأركان الأربعة التي أسلفنا لك القول فيها ، وهي : النار والهواء والماء والأرض ، ولا يفوت جابرا هنا أن ينبه إلى أن « الفلك » - أي الإطار الأولى - ليس بذي مادة في ذاته ، فهو كالمفاهيم الهندسية : الدائرة والخط والنقطة ، كلها تصورات عقلية ، فالدائرة هي ما يحيط بغض النظر عن الجرم الذي تحيط به ، والخط طول بلا [ علاض ] عرض ولا جسم بغض النظر عن طبيعة الشيء الذي يمتد خطا ، والنقطة شيء يتصوره العقل لا الحواس ، لأنها هي ما ليس له أبعاد ، وليس فيما تحسه الحواس شيء بغير أبعاد ، فكما نقول عن الدائرة إنها تحيط بلا جسم ، فكذلك نقول عن الفلك - الذي هو الأوليات الأربعة - أنه هو الذي يحيط بالكون دون أن نذكر ما ذا عسى أن تكون طبيعة هذا الكون المحوط . على أنه لا مندوحة لنا من افتراض وجود « جوهر » ما ، ليكون هو نواة التكوين ، فكأنما هذا الجوهر هو بمثابة طبيعة خامسة تضاف إلى الطبائع الأولية الأربع ، « فالجوهر هو القابل لكل شيء ، وهو الذي في كل شيء ، ومنه كل شيء ، وإليه يعود كل شيء كما خلقه بارئه تعالى ربنا ومولانا ، جعله في كل وكل إليه راجع » ( 3 ) . وما نكاد نبدأ في تصور هذا الجوهر كيف يتشكل ويتعين في صور