حسن الأمين
106
مستدركات أعيان الشيعة
ومما يدل على فساد قولهم بان أول الخلق هيولى بسيط لا كيف فيه ، أن الفلاسفة قد بينوا لنا استحالة وجود جوهر عطلا من الأفعال كلها - الطبيعية منها والصناعية - بحيث يكون ذلك الجوهر غير ذي فعل في نفسه أو في غيره ، مع أن الهيولى التي زعم هؤلاء القوم أنه أزلي بسيط ، وأنه الجوهر الأول ، هو في الحقيقة عطل من الأفعال كلها - الطبيعية والصناعية وهو أمر مستحيل على البرهان العقلي ، كما أنه بالبداهة مستحيل أيضا على الإثبات بطريق الإشارة . فإذا كان هذا هكذا ، انتهينا إلى الرأي الذي نأخذ به ، وهو أن الأصل الأول هو الطبائع الأربع : الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ، فهذه لم تنفعل لشيء سبقها فيما عدا البارئ جل ثناؤه . تقسيمات رباعية : من هذه الأصول الأربعة الأولى : الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة نشات أربعة عناصر ، وذلك باجتماع تلك الأصول بعضها ببعض اثنين اثنين ، فقد اجتمع الحار واليابس فنشأت النار ، واجتمع الحار والرطب فنشأ الهواء ، واجتمع البارد واليابس فنشأت الأرض ، واجتمع البارد والرطب فنشأ الماء ، على أن هذه العناصر الأربعة إنما يتفاوت ترتيبها علوا وسفلا على الوجه الآتي : فالنار أعلاها ، ويتلوها الهواء ، ثم الماء ، وأخيرا الأرض . وفصول السنة أربعة تقابل تلك العناصر الأربعة ، فالصيف يقابل النار ، والربيع يقابل الهواء ، والشتاء يقابل الماء ، والخريف يقابل الأرض . وفي بدن الإنسان أخلاط أربعة تقابل العناصر الأربعة ، فالصفراء تقابل النار وزمانها القيظ ، والدم يقابل الهواء وزمانه الربيع ، والبلغم يقابل الماء وزمانه الشتاء ، والسوداء يقابلها الأرض وزمانها الخريف - وسيكون لتحديد الأزمان الملائمة لكل من هذه الأخلاط الأربعة شان في العلاج الطبي للأمراض التي تطرأ على هذا الجزء أو ذاك ، كما سنرى عندما تتعرض لأهمية التحديد الزمني عند جابر - والتحديد الزمني للظاهرة إنما يتقرر بأوضاع النجوم في أفلاكها . وللإنسان كذلك أعضاء رئيسية أربعة ، هي : الدماغ والقلب والكبد والأنثيان ( ؟ ) ، يقابل كل عضو منها جانبا خاصا من التقسيمات الرباعية السالفة الذكر ، فالقلب في الأعضاء يقابل الصفراء في الأخلاط ، ويقابل القيظ في الفصول ، ويقابل النار في العناصر ، والنار بدورها مؤلفة من الحرارة واليبوسة وهما من البسائط الأولية ، والدماغ في الأعضاء يقابل البلغم في الأخلاط ، ويقابل الشتاء في الفصول ، ويقابل الماء في العناصر ، والماء بدوره مؤلف من البرودة والرطوبة وهما من البسائط الأولية ، والكبد في الأعضاء يقابل الدم في الأخلاط ، ويقابل الربيع في الفصول ، ويقابل الهواء في العناصر ، والهواء بدوره مؤلف من الحرارة والرطوبة ، وهما من البسائط الأولية ، والأنثيان في الأعضاء ، يقابل السوداء في الأخلاط ، ويقابل الخريف في الفصول ، ويقابل الأرض في العناصر ، والأرض بدورها مؤلفة من البرودة واليبوسة وهما من البسائط الأولية . « هذه هي بنية العالم والطبيعة والإنسان ، فكان العالم ضرورة إنسانا ، والإنسان جزءا صغيرا بالإضافة إلى العالم » هكذا يقول جابر تعليقا وتلخيصا لهذه التقسيمات الرباعية ، وهو قول بالغ الأهمية في تحديد فلسفته الكونية ، إذ يبين نزعته المشبهة - التي تشبه العالم بالإنسان - وهي نزعة تجعل الكون إنسانا كبيرا ، وتجعل الإنسان كونا صغيرا ، فكل الجانبين يصور الآخر ، كأنما هما خريطتان لشيء واحد ، اتفقتا في طريقة التصوير واختلفتا في مقياس الرسم وحده ، يقول كاراديفو في مقالته عن جابر : « إن المذهب الموجود في مؤلفاته - وفي كتابه الرحمة بصفة خاصة - وهو كتاب لا شك في نسبته إلى جابر - هو مذهب موغل في إسقاط الصفة البشرية على الطبيعة ، أو ان شئت فقل إنه موغل في بث الحياة في الطبيعة ، فهو يعد المعدن كائنا حيا ، ينمو في حضن الأرض مدة طويلة - آلاف السنين - متحولا من الحالة الناقصة - حالة الرصاص - إلى الحالة الكاملة - حالة الذهب ، ومهمة الكيمياء أن تعجل عملية التحول ، إنك لترى جابرا يستخدم عن المعادن ألفاظا مأخوذة من الحياة البشرية ، كالتوالد والزواج والتلقيح والتربية ، كما يستخدم عنها لفظتي الحياة والموت ، فالعناصر الأرضية الغليظة » ميتة « والخفيفة اللطيفة » حية « ، وعنده أن كل جسم كيموي روح بدن ، ومهمة الكيموي أن » يخلص « الواحد من الآخر ، لكي يبث في الجسم روحا تلائمه » . وعلى ذكر الغلظة واللطافة في تمييز الأجسام ، نعود إلى تقسيماتنا الرباعية فنقول إن الأخلاط الأربعة في الجسم الإنساني : الدم والصفراء والبلغم والسوداء ، تختلف سرعة وبطئا ودقة وغلظا ، فللدم السرعة والغلظ معا ، ألم نقل إنه يقابل في العناصر الهواء ، والهواء مؤلف من بسيطين أولين هما الحرارة والرطوبة ؟ ثم أليست صفة الحرارة هي السرعة وصفة الرطوبة هي الغلظ ؟ إذن فللدم هاتان الصفتان الرئيسيتان : السرعة أخذها من حرارته ، والغلظ أخذه من رطوبته ، وعلى هذا النحو قل إن البلغم يتصف بالبطء والغلظ معا ، لأن البلغم يقابل الماء ، والماء مزيج من برودة ورطوبة ، والبرودة بطء والرطوبة غلظ ، والصفراء سرعة ودقة معا ، لأنها تقابل النار ، والنار مزيج من حرارة ويبوسة ، والحرارة سرعة واليبوسة دقة أجزاء ، وأما السوداء فبطء ودقة معا ، لأنها تقابل الأرض ، والأرض برودة ويبوسة ، والبرودة بطء واليبوسة دقة أجزاء ، ولهذه الخصائص شان كبير في علم الطب عند ابن حيان ( 3 ) . وليست العناصر الأربعة سواء لا بالنسبة إلى وضعها من الكون ولا بالنسبة من الفاعلية ، فلقد أسلفنا القول إنها في وضعها درجات متدرجة : النار في أعلى ويتلوها الهواء فالماء والأرض ، ونضيف هنا أن الحرارة والبرودة فاعلان ، وأما اليبوسة والرطوبة فمنفعلان ، بمعنى أن الحرارة تصب فعلها على اليبوسة فتنتج النار ، والبرودة تصب فعلها على الرطوبة فينتج الماء ، وكذلك تصب الحرارة فعلها على الرطوبة فينتج الهواء ، وتصب البرودة فعلها