حسن الأمين
9
مستدركات أعيان الشيعة
عهد الشاه « سلطان حسين الصفوي » . وهو قول مردود لا يصح . حروب أخرى بعد أن تغلب « آقا محمد خان » على « لطف علي خان » - كما سيأتي تفصيله - تيسر له أن يسيطر على مختلف نواحي إيران . ولم يبق خارجا عن يده غير خراسان حيث كان يملك أعقاب « نادر شاه أفشار » . وكان المالك يومئذ حفيده « شاه رخ شاه » . وحين كانت أسرة « زند » تملك على إيران لم يتعرض أحد للأمراء الأفشاريين المالكين هناك . كان رئيس طوائف الأفشاريين يومئذ « علي خان أفشار » ، وكان يقيم في أذربيجان . فاغتنم فرصة تضعضع الأحوال فقام يطلب الملك لنفسه ، وجمع حوله جماعة يناصرونه . فسار « آقا محمد خان » بجيش إلى محاربته . فلما صار قريبا منه أرسل إليه رسولا يمنيه بالمواعيد وما زال به يخادعه حتى انخدع الأفشاري به وسالمة وصافاه . وفي يوم من الأيام استدرجه « آقا محمد خان » إلى منزله ، فلما وصل انقض عليه جماعة كان قد هياهم فاقتلعوا عينيه . وفي اليوم التالي هجم « آقا محمد خان » على رجاله فقضى عليهم . وبعد ذلك أراد « آقا محمد خان » أن يأمن جانب إخوته . ففر ثلاثة منهم إلى خارج إيران خوفا منه . وظفر باخر منهم فأعمى عينيه . ولم يبق أحد من إخوته سوى « جعفر قلي خان » . وكان الفضل في أهم انتصاراته يعود إلى أخيه هذا . ولكن « آقا محمد خان » كان قد نصب لولاية عهده « فتح قلي خان » المعروف بلقب « بابا خان » . ( 1 ) وهو ابن أخيه الشقيق « حسين قلي خان » المعروف بلقب « جهان سوز » ( أي حارق الدنيا ) ، وقد خشي « آقا محمد خان » أن يقصي أخوه « جعفر قلي خان » بعد وفاته ابن أخيه هذا عن الملك ويلحق به الأذى . ولذلك أراد التخلص منه . وكان جعفر هذا حاكما على مازندران . وكان « آقا محمد خان » في طهران . فاستدعى أخاه هذا إليه ، فامتنع في بادئ الأمر من الحضور خوفا من أن يكون قد بيت له شرا . ولكن « آقا محمد خان » ما زال به يخادعه حتى حضر إليه . ثم قتله اغتيالا . وبعد مقتله سار « آقا محمد خان » بجيش إلى محاربة التركمان . مع أن التركمان كانوا على مدى سنين متطاولة ينصرون أسرته . وكانوا دائما أعوانا لأبيه . ولكنه نقم عليهم نصرتهم لأخيه « جعفر قلي خان » فأراد الانتقام منهم . وقد سفك دماء كثيرة في هذه الحرب . وأسر كثيرا من نساء التركمان وأطفالهم وحملهم معه في عودته . وانتحرت جماعة من النساء في أثناء الطريق أبين أن يخضعن للأسر والعبودية . ومن ذلك اليوم حمل تركمان إيران أشد الحقد على الأسرة القاجارية . وما زالوا على مدى المدة التي ملك فيها القاجاريون يغيرون على النواحي التي تجاورهم كلما استطاعوا الإغارة . ولا سيما الطريق ما بين خراسان وطهران ، فقد ظلت دائما هدفا لغاراتهم ، يسلبون المسافرين ويأسرون أبناءهم ونساءهم ، ويجعلون ذلك انتقاما لتلك الواقعة . وكان موظفو الدولة ، في المقابل ، يجددون تلك الواقعة كلما تغلبوا على التركمان . وإلى اليوم الذي منعت فيه النخاسة في إيران كان النخاسون يتعاطون المتاجرة بالإماء التركمانيات في مدن إيران المركزية . غزو القفقاس ظلت بلاد الكرج حتى السواحل الشرقية من البحر الأسود جزءا من أرض إيران في كل المدة التي ملك فيها الصفويون . وكان ملوك الكرج نصارى وكان الصفويون يمنحونهم شيئا من الاستقلال . وكان أولياء العهد الكرجيون وبعض أمراء البيت الكرجي المالك يقيمون دائما في البلاط الصفوي بأصفهان رهائن . ولكنهم يعاملون بمنتهى الاحترام . فإذا مات الملك الكرجي حمل ولي عهده من أصفهان محاطا بكل ما يقضيه منصبه من التشريفات الملكية إلى عاصمة الكرج « تفليس » ليخلف أباه على العرش . بل كان بين الأسر الكرجية النبيلة ومثيلاتها من أسر أصفهان قرابة . فأكثر رجال هذه الأسر الإيرانية كانوا أصهار الكرجيين . واتخذ الملوك والأمراء الصفويون زوجات لهم من أميرات الكرج ونبيلاتهم . فلما انقرض الصفويون وضعف البلاط الإيراني أخذت فكرة الاستقلال تساور ملوك الكرج شيئا فشيئا . ومن جهة أخرى أضافت روسيا أرضا أخرى إلى ما كانت تحتله من أرض في جنوبها حتى صارت تجاور الشمال من بلاد الكرج . واقتضى ذلك أن صار ملوك الكرج يسعون إلى التقرب من البلاط الروسي والتقوي به كلما ساء ظنهم بالبلاط الإيراني وخافوا منه شرا . ولما خرج « آقا محمد خان » على الأسرة الزندية اغتنم « هراكليوس » الثاني عشر ملك الكرج فرصة تضعضع الأوضاع في إيران ، فانحاز إلى روسيا واستظل بحمايتها . ولما ارتفع شان « آقا محمد خان » وانتصر في سنة 1209 هأخذ يعد العدة لغزو بلاد الكرج وإخضاع ملكها . وكان يعتمد أسلوب المباغتة في الحرب ، ويتقن هذا الأسلوب إلى درجة فائقة . فسار بجيشه من طهران بمنتهى السرعة المستطاعة متجها شمالا : وأخضع بلدانا وأقام فيها حاميات ، وتابع سيره بأربعين ألف جندي قاصدا « تفليس » عاصمة بلاد الكرج . ولما بلغ نبا هذا الغزو إلى « هراكليوس » كان الأمر قد سبقه فلم يجد وقتا يستطيع فيه الاستنجاد بروسيا . ودهمه « آقا محمد خان » فلم يستطع دفاعا مع ما أبداه جنده من شجاعة عظيمة في دفعاعهم . فانهزموا من وجه الغازي وفر « هراكليوس » إلى الجبال القائمة في نواحي « تفليس » . ولما احتل « آقا محمد خان » المدينة أعمل السيف في أهلها وقتل منهم خلقا كثيرا ، وأسر ستة عشر ألفا من أطفالها وبناتها وحملهم معه إلى إيران . وقد ألحقت هذه الفظاظة بإيران ضررا كبيرا ، إذ أنها ملأت قلوب الكرجيين حقدا على إيران ، فأبعدتهم عنها . وانفصلت بلاد الكرج بعد ذلك عن إيران فلم تعد إليها . تتويج « آقا محمد خان » إلى ما قبل تلك الواقعة لم يكن « آقا محمد خان قاجار » قد طلب لنفسه منصب الملك على إيران . ولكن انتصاره في تلك الغزوة بلغ به الغاية من الاعتزاز بنفسه . فعاد لا يرى مانعا له من إعلان نفسه ملكا على إيران . ولذلك دعا في سنة 1210 هرؤساء عسكره إلى الحضور في طهران . وعقد منهم مجلسا . وأخذ بيده تاجا كان قد سبق أن صيغ له ، وقال لهم : إن كنتم ترضون بي ملكا وضعت التاج على رأسي ، ولكن لي شرطا عليكم
--> ( 1 ) إذ كان سمي جده الأعلى فقد عرف في العائلة باسم « بابا خان » .