حسن الأمين
72
مستدركات أعيان الشيعة
يؤكد أن الكثير من النصوص القديمة قد عبث بها رواتها وإن من اللازم التثبت في تحقيقها ، وتزييف ما يدل على عصبية ، ونعرف أيضا شدة حرص الهمداني على التماس الصحة فيما كان يتلقاه من معارف ويرويه من أشعار . وثالثا : نستفيد أن الأرجوزة مع أشعار البصري والأبناوي قد كانت من مصادر الهمداني في تاليفه لكتابه « صفة جزيرة العرب » . ورابعا : نفهم مقدار حرص القدماء على معرفة أسماء البلدان وتسجيل الأحساب والأنساب وتعليمها للأحداث وحملهم على استظهارها ولولا ذلك لما تمكن الهمداني من روايتها عمن سمعها عن الرادعي . وخامسا : أنه كان يوجد - ورغم تفاقم النعرات العنصرية والطائفية - في القرنين الثاني والثالث إلى حد التجري على تشويه وتغيير النصوص وتحريفها ، من لا يندفع في متاهات العصبية ، من الفضلاء الذين لا يغمطون حق أحد ، أمثال راوي الأرجوزة - وهو من الأبناء - لأبي محمد الهمداني . وسادسا : نعرف من الرواية أن الشاعر أحمد الرادعي قد عاش في أواخر القرن الثاني والنصف الأول من القرن الثالث الهجري وحتى سنة 270 ه ، لأنه أسمع أرجوزته لأحمد بن محمد وهو حدث السن ، ونحن نعلم أن الهمداني لم يمت قبل سنة 344 هوانه قد عثر على النسخة الصحيحة من الأرجوزة في أواخر القرن الثالث الهجري من أحمد هذا الذي أصبح شيخا وراوية . وسابعا : إن للرادعي آثار شعرية أخرى غير هذه [ الأرجوز ] الأرجوزة ولا ندري ما قصد الهمداني بقوله « وهي على ما سمعت بجميع لغاته إلا ما كان منها معيبا » ؟ وهل نفهم أنه قد ثقف وأصلح بعض ألفاظ الأرجوزة ؟ وهل ما ورد في الأرجوزة من تفسيرات لغوية أو إيضاحات جغرافية من صنع الرادعي أم الهمداني ؟ وقد أراد بقوله ، « وفسرت منها ما لم يسقط إلى العامة لغته » ، انه قد شرح ما يعده غريبا لدى العامة ، وإن كان معروفا لدى الخاصة أي العلماء والأدباء ، ولعل الراوي عندما قال « عشرة أبيات عشرة أبيات » ! قد جعل كل شطر من الأرجوزة بيتا فيكون مجموع أبياتها ألف شطر ومائتين وسبعين شطرا . وقد افتتحها بقوله : أول ما أبدأ من مقالي بالحمد للمنعم ذي الجلال والمن والآلاء والإفضال والملك والجد الرفيع العالي ولما وصل إلى ذكر « صنعاء » في المقطع الرابع عشر قال : صنعاء أعنى جنة الجنان بحيث شيد القصر من غمدان أرض التقى والبر والإحسان بها مقيلي ، وبها إخواني واستطرد بعد ذلك يقول : صنعاء ذات الدور والآطام والقدم الأقدم ذي القدام والعز عن ذي السطوة الغشام أست بعلم لابن نوح سام بعلم رب ملك علام إذ رادها سام بلا توهام ورادها من قبل ألفي عام ما بين سفحي « نقم » النقام وبين « عيبان » المعين السامي فاسها في سالف الأيام ثم خصها بأربعة مقاطع مادحا مشيدا بمفاخرها وخصائصها حتى قال في المقطع التاسع عشر يؤكد « المقولة المتداولة » إن صنعاء محروسة تقهر الطغاة من غزاتها . ان رابها من حدث الزمان ريب عدو حرب الأضغان قام فحامى دونها حيان « قحطان » ، والأحرار من « ساسان » قبيلتا صدق إذا ما الجاني أشعل نار الحرب بالإعلان كانوا كأسد الغاب من خفان ظلت بها غير المضل الواني قرير عين بصلاح شاني في فتية مثل القنا المران ، ولما أشرف على « صعدة » في المقطع الخامس بعد الثلاثين قال : خوارجا من جنح ليل داجى مخيسات القلص النواجي مهرية أعيانها سواجى حزائقا بالرفق الحجاج نواسلا يرقلن في دماج ناجيتها في بعض ما أناجي : ناق . . صلى التهجير بالإدلاج ما لك عن صعدة من معاج ما لم تجودي بدم الأوداج حتى تزوري البيت ذا الرتاج ! وقال في المقطع السادس والثلاثين : « صعد » سقيت الغيث من مكان طاب المقيل لكم إخواني ، في رطب صلع ، وفي رمان ، وألقت في أسواقها المجان ! بما بنى بيت « أكيل » باني و « يرسم » فرعان من خولان ، وقد ظل بتعابيره الجزلة ، وألفاظه المنتقاة ، يقف بنا عند كل مكان وثنية وجبل وماء ، واصفا بدقة القافلة ورجالها وجمالها وحداتها مناجيا ربه متبتلا خاشعا أو متذكرا أهله وأحبابه في شجو وشوق . وما إن أكمل وصف أعمال الحج ومناسكه ومواقفه وأماكنه ومشاعره قائلا : دعا فاشجاني لنفر داعي وقد رميت بحصى تباع الجمرات غير ما مضياع ألتمس السنة باتباع ثم نميت الكور ذا الأنساع على أمون حرة ملاع ثم أتيت البيت للوداع فقلت يا قابل سعي الساعي اني دنا عن بيتك انتجاعي ، فاغفر ذنوبي ، يا مجيب الداعي حتى يلتفت في المقطع رقم - 96 - متحدثا عن بيوت « قريش » ويقول : وقلت للحادي القراقري أذكر قريشا أسرة النبي أهل الندى والمعقل الأبي والحلم إن طاش ذوو الندي واختص منهم ولد الوصي بني الامام المرتضى علي ليث الوغى والحكم المرضي ذاك على رغم العدي وليي والي لواء الحمد ، والنجي والحوض حوض المصطفى الروي من هاشم في البيت ذي الدعائم والفرع من فروعها السلاجم السادة الجحاجح القماقم الأولين السبق الأقادم حتف المعادي وغنى المسالم ، هم سبقوا الأقوام بالمكارم . . أئمة الناس لدى المواسم على منى الراضي ورغم الراغم أكارم غر ، بني أكارم فمن إذن يدعى كحي هاشم ويذكر بني العباس ، وأسرة أبي بكر ، ورهط عمر وغيرهم من بيوتات قريش وصحابة الرسول ( ص ) .