حسن الأمين

73

مستدركات أعيان الشيعة

ولا شك أن الناقد لا بد أن يلمس عاطفة الشاعر الفياضة بمحبة أهل البيت ومودتهم التي لا يشوبها غلو ولا إفراط ، وكان قد سبق أن قال في مطلع أرجوزته : أدعوك يا ذا السؤدد الممجد وذا العلا في عزه المؤبد من لم يزل قدما ولما ينفد ، ولم يلد ولدا ، ومن لم يولد صل على الهادي النبي المهتدي على النبي المصطفى محمد وابعثه يا ذا المن يوم المشهد مقامه المحمود غير الأنكد وأعطه من عزك المؤبد حظا ممضا لقلوب الحسد وأخلفه في عترته وآله ، رب ، ومن والهم فواله وزده إجلالا إلى إجلاله وابسط عليه الرزق من حلاله وأعطه منك الثري في ماله رب ، ومن عاداهم فقاله بفعله يا رب أو مقاله وخذه في العمياء من ضلاله واحتل به يا رب في احتياله وحل به يا رب عن محاله ثم يعود أدراجه مع قافلته يعلو بها البطاح ، ويقطع الفيافي ، ولا يعرج طويلا على المدن والقرى حتى يصل وطنه « رداع » . ( 1 ) أحمد الناصر لدين الله العباسي مرت ترجمته في موضعها من ( الأعيان ) ونضيف هنا إلى ما هنا لك هذا البحث عن الوظائف الإدارية في دولته مكتوبا بقلم صادق حسن السوداني : يعتبر الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء من أشهر خلفاء بني العباس وأطولهم حكما إذ حكم سبعا وأربعين سنة بين 575 - 622 ه‍ . وكان من المهتمين بشؤون الدولة العباسية خاصة الإدارية منها . كانت دولة الناصر لدين الله تدار من قبل عدد كبير من الموظفين مختلفي المناصب والرتب مختلفي الأسماء ، لذا كثيرا ما نرى في وظائف هذه الدولة التشابه بين مهام وظيفة وأخرى وقد يتعدى صاحب الوظيفة حدود وظيفته إلى أخرى سواء أقصد ذلك أم لم يقصده شعر بذلك أم لم يشعر لعدم وجود حدود لكل وظيفة تحدد مهامها وأين تتوقف الصلاحيات المنوطة بها والموظف الذي يديرها . والوظائف الإدارية التي لازمت دولة الناصر وعهده هي : الوزارة : الوزر : الحمل الثقيل ، والوزير : حبا الملك الذي يحمل ثقله ويعينه برأيه وقد استوزره ووازره على الأمر أي أعانه وقواه والأصل آزره . ووزير الخليفة معناه الذي يعتمد على رأيه في أموره ويلتجئ إليه ، وقيل لوزير السلطان وزير لأنه يزر عن السلطان أثقال ما أسند إليه من تدبير المملكة أي يحمل ذلك . ( 2 ) من المعروف بان هذا المنصب استحدث في الدولة العربية الإسلامية في إطلالة الدولة العباسية حين استوزر أبو العباس السفاح 132 - 136 ه‍ / 750 - 754 م لأول مرة أبا سلمة الخلال الذي سمي بوزير آل محمد وظل هذا المنصب موجودا منذ ذلك العهد وطيلة بقاء الخلافة العباسية المنهارة على يد المغول سنة 656 ه‍ / 1258 م . لقد ولي منصب الوزارة في عهد الناصر لدين الله عدة وزراء ولكن عددهم القليل لا يتناسب مع فترة حكمه الطويلة والممتدة سبعا وأربعين سنة والسبب في ذلك اعتماد الناصر على نواب ( 3 ) الوزراء أي أنه كان يولي الوزارة شخصا يديرها اسمه نائب الوزارة وهي تشبه اليوم وكيل الوزارة إلا أن الفرق هو أن نائب الوزارة كان يقوم بأعباء الوزارة بينما في الوقت الحاضر وكيل الوزير لا يوجد إلا بوجود الوزير . والواقع أن نائب الوزير كما يبدو كان أقل سلطة من الوزير وأكثر ارتباطا بالخليفة والرجوع إلى أوامره ونواهيه ، ويمكن تبرير فعل الناصر بعدم استخدام الوزراء إلا قليلا بأنه نوع من السياسة الفردية أو نهج من هذا القبيل أو بعدم ثقته بمن حوله حتى يوليه مثل هذا المنصب الحساس والخطير الذي يلي منصب الخلافة قوة وتسلطا أو لاعتقاد الناصر بان ليس هناك الشخص الكفوء الذي يستطيع ملء هذا المنصب وإدارته إدارة تعتمد على الحصافة والمقدرة بحيث تليق بهذا المنصب السامي . أحد هذه الأسباب أو كلها مجتمعة قد تبرر سلوك الناصر لدين الله . وهكذا نجد أن أكثر الذين قاموا بدور الوزير لم يكونوا وزراء إنما كانوا نواب وزراء . والملاحظ على فترة حكم الناصر شيوع أسلوب العزل خاصة فيما يتعلق الأمر بالوزراء أو نواب الوزراء ، فيقول ابن دحية بهذا الخصوص « ان الناصر أوقع بوزراء السوء على الإطلاق » . ( 4 ) إلا أن الحقيقة أن أسبابا كثيرة كانت تجتمع لخلع وزير أو نائب منها جمعه للمال بصورة غير شرعية أو استهتاره بمنصبه ومهامه وتعديه وسوء استغلاله لهذا المنصب أحيانا حاجة الناصر للمال تدفعه لتنحية الوزير أو النائب ومصادرة أمواله خاصة في أوقات الضيق المالية التي يعانيها الخليفة وكان الناصر بذلك يضرب عصفورين بحجر ، التخلص من الوزير أو النائب خاصة من جمع أمواله بصورة مريبة ثم الاستفادة مما معه بمصادرته . ولا ريب أن للوشاية والشك دورا كبيرا في الاقصاء . وقد أورد الإربلي وغيره من المؤرخين أسماء [ اللذين ] الذين تولوا الوزارة ونيابة الوزارة أو عزلوا منهما لأسباب متباينة ظاهرة أحيانا وأخرى خفية ، وهم : استناب الخليفة الناصر لدين الله أولا داود بن سليمان بن ساورس ثم عزله . ( 5 ) واستناب محمد بن هبة الله بن البخاري إلى أن توفي سنة 580 ه‍ / 1185 م . ( 6 ) واستناب أبا الفتح صدقة ثم عزله . وقد توفي هذا سنة 597 ه‍ / 1201 م . ( 7 ) واستناب محمد بن عبد الباقي بن الداريح ثم عزله . واستوزر أبا المظفر عبيد الله بن يونس إلى أن خرج مع العسكر لقتال

--> ( 1 ) تاريخ اليمن الفكري . ( 2 ) ابن منظور ، لسان العرب ، 5 / 282 - 283 ( مادة « وزر » ) . ( 3 ) يقول ناجي معروف عن النائب بأنه « دون الوزير وهو الذي ينفذ أوامر الخليفة » انظر كتابه تاريخ علماء المستنصرية ، ص 338 . ( 4 ) ابن دحية ، النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس ، ص 165 . ( 5 ) الإربلي ، خلاصة الذهب المسبوك ، ص 283 ، يقول ابن الطقطقي في كتابه الفخري في الآداب السلطانية ص 286 : لما بويع الناصر بالخلافة أقر ابن العطار وزير أبيه على قاعدته أياما يسيرة ثم نكبه وقبض عليه وحبسه في باطن دار الخلافة ثم أخرجه ميتا . ( 6 ) الإربلي ، المصدر السابق ، ص 283 ، ابن الساعي ، الجامع المختصر ، 9 / 60 . ( 7 ) الإربلي ، المصدر السابق ، ص 283 ، ابن الساعي الجامع المختصر ، 9 / 60