حسن الأمين

41

مستدركات أعيان الشيعة

حدثت هناك . ثم خرج بجيشه قاصدا إقليم فارس ليقضي على ملك الزنديين . وكان مسيره في رمضان سنة 1203 هوقيل سنة 1204 ه‍ . وكانت طريقه على مدينة « قم » . وقبل وصوله إليها اضطر إلى قطع طريق صحراوية ليلا ليصل إلى الماء في أحد المنازل . ولكنهم ضلوا الطريق وهبت عواصف شديدة نشرت الرمال في الفضاء حتى ضاقت أنفاسهم ومات بعضهم اختناقا . وتشتتوا في الصحراء لا يهتدي بعضهم إلى بعض . وأمضهم وخيولهم العطش وفقدان العلف لدوابهم . ولما أصبح الصباح وجد « آقا محمد خان » أن قسما كبيرا من جيشه مفقود ولم يبق معه غير بعض هذا الجيش وقاسوا مشقات عظيمة من التعب والعطش ، وهم يتلمسون الطريق حتى اهتدوا إليها ، فتابعوا سيرهم إلى « قم » فوجدوا أن المفقودين كانوا قد استطاعوا الوصول إليها ، ولكن سبعمائة جندي منهم ظلوا مفقودين لم يعثر لهم على أثر ولا ظهر منهم أحد . ثم تابع « آقا محمد خان » السير بجيشه من « قم » إلى إقليم فارس . فلما اقترب من شيراز ارتاى « لطف علي خان زند » أن يخرج إلى محاربته خارج المدينة ليتفادى المحاصرة وما يترتب عليها من ضيق في الطعام وغيره من الحاجات . فخرج وأقام جنده في سهل مستو سبق أن كان قبل خمسة قرون من ذلك التاريخ ميدانا للحرب التي وقعت بين « تيمور لنك » و « السلطان منصور المظفري » آخر ملوك « آل المظفر » . وتراءى الجمعان في العاشر من شهر شوال سنة 1203 ه‍ . وفي صباح اليوم التالي 11 شوال سنة 1203 هحمل « لطف علي خان زند » على الجيش القاجاري وإذ كان جند الزنديين من الفرسان فقد كانوا معرضين كثيرا . لقذائف الرماة من البندقيين والمدفعيين ، فأوقعوا فيهم قتلا ذريعا . ولكن « لطف علي خان زند » تابع الهجوم بفرسانه ، وهو في مقدمتهم ، لا يتراجع ، وقصده الالتحام بالعدو ، إذ ، في هذه الحالة ، يتعطل السلاح الناري ، ولا يبقى من وسيلة للمحاربة غير السلاح الأبيض . وهو بهذا السلاح متفوق على خصمه . ولو استطاع متابعة هجومه هذا لكان انتصاره وانهزام « آقا محمد خان » أمرا محققا . ولكن تبين ، وهو في هجومه ، أن « آقا محمد خان » أرسل فرقة من عسكره إلى ما وراء فرسان المهاجمين ليحصرهم بين جيش أمامه وجيش وراءه ، وبهذا هلاك جيشه لا محالة فبادر فورا إلى أمر جنوده بقطع الهجوم والتراجع . وكان تراجعه هذا دليلا على تعقله ومعرفته بفنون الحرب . ولو لم يتراجع لعرض جيشه للفناء ، وإن يكن مؤرخو العهد القاجاري الإيرانيون يزعمون إن تراجعه هذا كان باعثه الخوف والجبن . ولكنه قول مردود لا يعتنى به . فما أكثر الوقائع الحربية التي تراجع فيها جيش عن عدوه وكان تراجعه في الحقيقة انتصارا له لا انكسارا لأنه أحبط به خطة لعدو أعدها للإيقاع به . وأمثلة هذا كثيرة في الحروب القديمة والحروب الحديثة . واضطر « لطف علي خان زند » إلى العودة إلى شيراز والتحصن فيها . وتقدم « آقا محمد خان » فضرب الحصار عليها . ولكن سرعان ما أعوزته الذخيرة من الطعام لجنده وخيوله ، على حين كان « لطف علي خان » قد أحتاط قبل خروجه إلى ملاقاة « آقا محمد خان » بان أمر بجمع مقادير كافية من المئونة تحسبا لمثل هذه الحالة . ولذلك كانت الذخيرة متوفرة في داخل المدينة . وأمر « آقا محمد خان » جنده بالإغارة على القرى والمزارع المجاورة ومصادرة كل ما يجدونه في بيوت الفلاحين من الطعام والعلف ، فأغاروا عليها ونهبوها وأوقعوا بالأهالي أذى كثيرا من الإهانة والجلد وأمثال ذلك ، حتى اضطروهم إلى الفرار من قراهم ومزارعهم ، وخلت بيوتهم من السكان . ولكن ما نهبوه من بيوت الفلاحين من ذخيرة كفاهم أياما معدودة ، لم يجدوا بعدها ما ينهبونه ، فاضطر « آقا محمد خان » إلى رفع الحصار عن شيراز والرجوع عنها إلى طهران . وهكذا خاب سعيه إلى فتح شيراز مرة أخرى . وازداد حقدا على حقد على « لطف علي خان زند » . وقدر بعض المؤرخين الشرقيين عدد من قتل يومئذ من جند « لطف علي خان زند » بثمانية آلاف . وآخرون منهم قدروا عدد القتلى بألفين وعدد الأسرى بثمانية آلاف . ولما وصل « آقا محمد خان » إلى طهران كان الفصل فصل الشتاء ، وليس هو الوقت المناسب لتسيير الجيش . فمكث في العاصمة ينتظر حلول الربيع ليعاود فيه غزو فارس للقضاء على « لطف علي خان زند » . ولو كان غرضه من غزو فارس توسعة مجال حكمه لغزا آذربيجان واحتل ذلك الإقليم الواسع ، وغزوه أهون عليه من غزو فارس . أو غزا خراسان واحتلها . وشأنها من هذه الجهة كشان آذربيجان . وبلغ عداؤه لشخص « لطف علي خان زند » بحيث قال مرة للشيخ جعفر التنكابني ، وهو الذي كان يسامره في ليالي الشتاء الطويلة بقراءة الكتب له : لن أقدم على القيام بعمل من الأعمال العظيمة ما لم أقض على « لطف علي خان زند » ! فسأله « الشيخ جعفر التنكابني » : لو دخل « لطف علي خان زند » في طاعتك وطلب منك العفو فاية معاملة كنت تعامله ؟ فقال « آقا محمد خان » : إن هذا الشاب الجسور المزهو لن يطيع أبدا ! فقال « الشيخ جعفر التنكابني » : فما أنت صانع به ان أطاع ؟ فقال « آقا محمد خان » : إن أطاع سامحته . ولعلي أجعله معاونا خاصا لي . فقال « الشيخ جعفر التنكابني » : هل تأذن لي بان أكتب إليه رسالة أوصيه فيها بان يسألك العفو عنه ويدخل في طاعتك لتعفو عن ذنوبه الماضية ويصبح مشمولا برحمة شاه إيران ؟ فقال « آقا محمد خان » : اكتب إليه وإن كنت أعلم أنه لن ينزل عن مكانه من الغرور إلا يوم يمثل أمامي مقيدا . فكتب « الشيخ جعفر التنكابني » إلى « لطف علي خان زند » رسالة مطولة منمقة ذكر له فيها أنه لن يستطيع مقاومة ملك مثل « آقا محمد خان » . وخير له أن ينصرف عن غروره وعناده ويكفي نفسه وأسرته الخطر . وأوصاه في ختام الرسالة أن يكتب بخطه رسالة إلى الشاه ويلتمس منه العفو ، وليطمئن إلى أنه بعد كتابة هذه الرسالة سيكون موضع العفو ، ويمنحه الشاه القاجاري عملا في البلاط يكون مناسبا لشبابه وعنصره . وأرسل « لطف علي خان زند » الجواب رسالتين إحداهما إلى « الشيخ جعفر التنكابني » والأخرى إلى « آقا محمد خان » . فاما رسالته إلى « التنكابني » فقد خاطبه فيها متأدبا وقال إنه يعلم بان ما حمله على الكتابة إليه إنما هو حسن النية وظنه بأنه يؤدي إليه خدمة . وأما رسالته إلى « آقا محمد خان » فقال فيها إن ملك إيران حق وراثي للأسرة الزندية . وأنا اليوم أعلى سراة الزنديين منزلة . ولذلك كان ملك إيران حقا لي . ولو فرضنا أن الأسرة