حسن الأمين

42

مستدركات أعيان الشيعة

الزندية لا حق لها في هذا الملك ، فإننا ، ونحن سلالة زند ، لن نقبل بان يملك علينا خصي . وإيران ، والحمد لله ، لا يزال فيها رجال حقيقيون يستطيعون اعتلاء العرش . ولم يعدم الإيرانيون الرجال فيضطروا إلى الرضا بتمليك الخصيان عليهم . وفي حالة انعدام الرجال واضطرار الناس إلى الرضا بتمليك خصي ، فإننا ، نحن الزنديين ، لن نقبل به ، ونفضل تمليك امرأة على تمليك خصي . وقال « آقا محمد خان » للشيخ جعفر التنكابني معلقا على جواب « لطف علي خان زند » : لو أمكن تطويع المعاندين بالنصائح لما صنع السيف ولا اخترعت البندقية والمدفع . ثم قال : إني وإن كنت خصيا ، سأثبت لهذا المتمرد الوقح يوم يقع في يدي أني قادر على أن أصنع ما يصنعه الفحول ! تراجع آخر وما إن حل فصل الربيع حتى بادر « آقا محمد خان » إلى السير بجيشه إلى غزو فارس من طريق « قم » وأصفهان . فلما وصل إلى أصفهان بلغه أن « لطف علي خان زند » غائب عن شيراز وكان هذا قد غادرها إلى الأقاليم الصحراوية الواقعة في النواحي الجنوبية من فارس ، ليجمع من أهلها متطوعين يعوض بهم من فقد من جيشه في محاربته الماضية ل « آقا محمد خان » . وكانت ل « لطف علي خان » غاية أخرى من سفره إلى جنوب فارس ، غير جمع المتطوعة لجيشه . وهي النظر في شؤون التجارة الإيرانية في مرفا « بوشهر » . فقد كان هذا المرفا مركز تلك التجارة في جنوب إيران ، واكتسب أهميته التجارية من عهد « نادر شاه أفشار » إذ جعله مركز القوة البحرية الإيرانية الناشئة . وفي سفر « لطف علي خان زند » هذا إلى جنوب فارس ذهب إلى « بوشهر » ، وقام باستطلاع شامل عن الأوضاع التجارية في الخليج وفي بحر عمان . واجتمع بأهل التجارة فيه ، فعرضوا عليه احتياجاتهم ومشاكلهم . فتبين من هذا التحقيق أن لا بد له من بناء أسطول تجاري وآخر حربي لتتغلب التجارة الإيرانية وما يتصل بها من شؤون على ما يعترضها من صعوبات وإشكالات في الخليج وفي بحر عمان . وعزم على إنفاذ خطته هذه . ومثل هذا التفكير والتخطيط كانت تقصر عنه تطلعات « آقا محمد خان قاجار » . يوم غادر « لطف علي خان زند » شيراز إلى جنوب فارس كان خالي الذهن من احتمال غزو يقوم به « آقا محمد خان » بمثل هذه السرعة لشيراز . ولذلك سافر ، وهو مطمئن ، للبدء بهذه التدابير العسكرية والعمرانية . ولو تبين قرينة تدل على نية خصمه على غزوه لما غادر هذا البطل المغوار عاصمة ملكه . ولكن مؤرخي العهد القاجاري الإيرانيين يزعمون أنه خاف من « آقا محمد خان » ففر إلى الجنوب . وفي هذا الافتراء ما فيه من ظلم لشجاعة هذا الشاب وبعد نظره وعلو همته في طلب الإصلاح ، وإن تكن الأيام والأحداث المضادة قد أعجزته عن أن يبذل نبوغه وحسن نواياه في سبيل راحة شعبه وتقدمه ! فلما وصل إلى « لطف علي خان زند » خبر بان « آقا محمد خان » قد بلغ في مسيره إلى أصفهان ، كان في « بوشهر » فما عتم أن خف عائدا إلى شيراز . وبعد ثلاثة أيام من وصوله إليها خرج بجيشه منها لملاقاة « آقا محمد خان » في خارجها ، كما فعل في الحرب السابقة ، ليجنب الشيرازيين ويلات الحصار ويجنب ما حولها من القرى والمزارع النكبات التي أوقعتهم فيها جند « آقا محمد خان » في تلك الحرب السابقة . وتبين « آقا محمد خان » أن جيش « لطف علي خان زند » أقوى من جيشه ، وكان يوم سار إليه يحسب العكس ، فتجنب المغامرة ، وغادر أصفهان منصرفا عن الحرب . إلا أن مؤرخي العهد القاجاري الإيرانيين ينسبون تراجعه إلى عامل آخر لئلا يعترفوا بأنه خشي تفوق « لطف علي خان زند » عليه ، وذلك تملقا منهم للملوك القاجاريين . فيقولون إن جماعة من أعيان شيراز ذهبوا إلى « آقا محمد خان » وهو في أصفهان ، فقدموا إليه هدايا . وقالوا له : إن خوف « لطف علي خان زند » ملك إيران قد جعله يفر من شيراز ويلجا إلى النواحي الصحراوية في الجنوب . ومع ذلك فمصلحة شاه إيران تقضي بان ينصرف عن غزو شيراز ويؤجله إلى وقت آخر . وقد قبل « آقا محمد خان » التماسهم وقفل راجعا من أصفهان . وهو قول متهافت . إذ لو صح أن « لطف علي خان زند » خرج من شيراز فرارا من « آقا محمد خان » ، إذ وجد هذا أقوى منه فخافه ، لكان ذلك فرصة « آقا محمد خان » للظفر به . وهل كان المتوقع أن ينتظر « آقا محمد خان » استقواء « لطف علي خان زند » حتى يهاجمه ؟ ! ومتى عهد ، في جميع العصور ، أن جيشا عاد عن مهاجمة خصمه لأنه وجده ضعيفا ؟ ! وهل يعقل أن يضيع عسكري نابغة مجرب مثل « آقا محمد خان » هذه الفرصة من يده ، فرصة ضعف خصمه وفراره من وجهه ، فلا يقدم على احتلال شيراز ؟ ! خصوصا أنه كان لا ينفك يتحرق شوقا إلى الساعة التي يظفر فيها بالعدو الذي يخصه باشد حقده ! لقد اقتصرت رواية المؤرخين المذكورين على أن الوفد الشيرازي أخبر « آقا محمد خان » بان « لطف علي خان زند » ضعيف ، وأن خروجه كان خوفا من « آقا محمد خان » ، وأن الوفد المذكور التمس من « آقا محمد خان » تأجيل مهاجمة شيراز إلى وقت آخر ، وأن « آقا محمد خان » قبل التماسهم . ولكن أولئك المؤرخين لم يذكروا سبب هذا الالتماس ولا سبب قبول « آقا محمد خان » لهذا الالتماس ! فإن كان السبب هو الرأفة بالشيرازيين فمتى كان طاغية جبار مثل « آقا محمد خان قاجار » يقيم وزنا لهذه الاعتبارات الإنسانية ، وهو الذي ارتكب ما ارتكب من الفظائع في « كرمان » يوم كان يتعقب « لطف علي خان » فيها . وسيأتي ذكر ذلك ؟ ! لم يكن تراجع « آقا محمد خان » يومئذ عن محاربة « لطف علي خان زند » جبنا فيتكلف مؤرخو العهد القاجاري الإيرانيون الأعذار المتهافتة لتسويغه . إذ ليس كل تراجع في الحرب يعد جبنا . ولم يكن « آقا محمد خان » تنقصه الشجاعة ولا كان هيابا . ولو كان أولئك المؤرخون وحكامهم من القاجاريين أبعد نظر أو أكثر موضوعية لوجدوا في هذا التراجع مدعاة للثناء والتحسين ، على عكس ما تصوروا . فقد كان تراجع « آقا محمد خان » يومئذ عن غزو شيراز تعقلا وحسن تدبير إذ وجد أن خصمه أقوى منه فتراجع عن حربه ليتقوى ويهيأ جيشه على نحو يجعله كفئا للقتال . هذا هو السبب المعقول . وكيف ينسب أولئك المؤرخون إلى رجال الوفد الشيرازي الذين زاروا « آقا محمد خان » في أصفهان قولهم له إن « لطف علي خان زند » فر من