حسن الأمين
40
مستدركات أعيان الشيعة
يمكنوه من المقاومة وثاروا عليه وهبوا إلى نصرة « لطف علي خان » . وحاصروا القلعة التي يسكنها « صيد مراد خان » واحتلها « لطف علي خان » ثم قتله وقتل رفيقيه اللذين شاركاه في قتل « جعفر خان زند » . إعماء مصطفى قلي خان لما استسلم « مصطفى قلي خان » في مقام « زيد » إلى « المجنون الفازوكي » سار به هذا مخفورا إلى أخيه . ولكنه لم يقيد يديه احتراما لنسبته إلى « آقا محمد خان » . فلما رآه « آقا محمد خان » ، وهو في مجلسه ، قادما من بعيد أرسل إلى « المجنون الفازوكي » أن لا يدخله عليه ، بل يحبسه في مكان آخر إذ خشي أن تبعث رؤية أخيه في نفسه رأفة به ، أو يسمع منه كلاما يلين قلبه عليه ، فيصرف النظر عن مجازاته ويعفو عنه . وفي اليوم التالي استدعى إليه « المجنون الفازوكي » وساله عن حال أخيه . وقال « المجنون » : هيات له بالأمس ما يلزم من طعام ووسائل للنوم ، وها هو الآن مقيم في عزفته محروسا . وقد قال لي صباح اليوم إنه يريد الحضور إليك وعرض مطالب ضرورية عليك . فقال « آقا محمد خان » : أسمح له بالحضور عندي ولكن بعد ساعة . فقال « المجنون الفازوكي » : إذن أحضره إليك بعد ساعة ؟ فقال « آقا محمد خان » : نعم ، بعد أن يقوم الجلاد بمهمته . فعلم « الفازوكي » أن « آقا محمد خان » ينوي الأمر بمعاقبة أخيه . فقال : السمع والطاعة لما يأمر به الشاه ! واستدعى « آقا محمد خان » الجلاد وقال له : أصحب المجنون وأعم عيني المذنب الذي يدلك عليه . وقال للمجنون : بعد إعمائه آذن لك بإحضاره إلي . فلما وقع نظر « مصطفى قلي خان » على الجلاد ومعه أدوات الاعماء ورأى « الفازوكي » يرافقه علم بما يراد به . فقال للمجنون الفازوكي : هل جئت لتعاقبني ؟ فوضع « المجنون الفازوكي » يديه متصالبتين على صدره وطأطأ رأسه علامة الخضوع والاحترام وقال : أنا أقل من أن أقدر على معاقبة رجل مثلك ! ما أنا إلا مأمور ، ومعذور أنا ! فسأله « مصطفى قلي خان » : بما ذا أمر بي أخي ؟ فقال « الفازوكي » : أمر باعماء عينيك . فقال « مصطفى قلي خان » : اذهب إلى أخي واطلب منه أن يسمح بحضوري إليه . فقال « المجنون الفازوكي » : أخوك لم يأذن لي باحضارك إليه إلا بعد إتمام المهمة . فقال « مصطفى قلي خان » : قل له إن كان لا بد من إيقاع العقوبة بي فليعم إحدى عيني ويبق على الأخرى . فقال المجنون : لقد منعني أخوك من مراجعته في شانك هذا . وأمرني بان لا أعود إليه إلا بعد إتمام المهمة . فقال « مصطفى قلي خان » : لقد أمرك بهذا وهو غاضب وأنبهك إلى أنه سيندم عليه وسيؤاخذك على أنك لم تطلعه على التماسي . ومع أن « المجنون الفازوكي » كان يعلم أن « آقا محمد خان » ليس ممن يصدرون أمرا بإيقاع العقوبة بأحد ، وهم في حال الغضب ، وأنه لا ينفك متبصرا مالكا نفسه ، فقد عهد ب « مصطفى قلي خان » إلى الحراس وذهب إلى « آقا محمد خان » فاطلعه على مقالته . فأجابه « آقا محمد خان » بقوله : لولا ما سبق من خدماتك لأمرت باعمائك أنت أيضا اذهب وافعل ما أمرت به ! فعاد « المجنون الفازوكي » وأبلغ إلى الجلاد أمر « آقا محمد خان » . فعمد الجلاد إلى يدي « مصطفى قلي خان » ورجليه فقيدها . ثم أمر ميلا محميا على حدقتي عينيه . ولما حلوا قيوده كانت الدنيا قد أصبحت ظلاما في ناظريه ! معاودة غزو فارس تعد سنة 1203 هفي تاريخ « آقا محمد خان » من أيام حياته المهمة . ففيها عزم على القضاء على ملك الزنديين في جنوب إيران . ولا شك في أن خصومة « آقا محمد خان » للزنديين ناشئة عن عقدة نفسية فيه . فقد كان أعقاب « نادر شاه » يحكمون في خراسان ، ولم يكن « آقا محمد خان » يخاصمهم مع أن نادر شاه « قتل جده الكبير » فتح علي خان « . ومؤرخو العهد القاجاري الإيرانيون يرون أن غزو « آقا محمد خان » ل « لطف علي خان زند » سببه مصلحة سياسية . إذ كان يريد جمع كل إيران في طاعة الحكومة المركزية ، ولهذا السبب سار إلى محاربة « لطف علي خان زند » . والحق أن كل حرب تقع لها محرك سياسي أو اقتصادي . ولا نستثني من هذا الحكم محاربة « آقا محمد خان » للأمير الزندي « لطف علي خان » . إلا أن هذا السبب يأتي في الدرجة الثانية من الأهمية بين الأسباب التي دفعت « آقا محمد خان » إلى محاربة « لطف علي خان زند » . أما السبب الذي يأتي في الدرجة الأولى من الأهمية فهو ما كان يحمله « آقا محمد خان » في نفسه من حقد على « لطف علي خان زند » . وزاد في حقده هذا ما لقيه منه من أذى قبل سنة إذ كان يحاصر شيراز . ولعل الحسد أيضا كان له أثر في ذلك . فقد كان « لطف علي خان » أشجع منه . وكان بصيرا دقيق النظر بعيد الهمة في التخطيط للعمران والإصلاح والبراعة في السياسة والإدارة والتوجيه الاجتماعي . ولولا مضادة الظروف له لكان من أعظم المصلحين بين من حكموا إيران . وهي مواهب كان « آقا محمد خان » محروما منها . وتفوق موهبته يقتصر على الحرب ومطالعة الكتب وتحصيل المعارف النظرية . وفوق هذا كان « آقا محمد خان » قبيح الشكل لما امتحن به من عاهة الخصاء ، على حين كان « لطف علي خان زند » معدودا من أجمل شبان إيران . ولكل هذه المزايا يمكن القول إن « آقا محمد خان » كان يحسد « لطف علي خان زند » . وأقوى دليل على أن « آقا محمد خان قاجار » كان يحسد « لطف علي خان زند » ويحمل عليه حقدا شخصيا لا علاقة له بالمصالح السياسية ولا بالمصالح الاقتصادية ، ما أوقعه به بعد أن ظفر به من معاملة شنيعة منتنة . وقد سبق أن ظفر « آقا محمد خان » بأعداء له قبل ظفره ب « لطف علي خان زند » وبعد ظفره به ، فقتل بعضهم وأعمى بعضهم ، ولكنه لم يعامل أحدا منهم بمثل ما عامل به « لطف علي خان زند » ! أعد « آقا محمد خان » جيشا قويا . وقبل خروجه من طهران أرسل جيشا بقيادة ابن أخيه « خان بابا جهان باني » إلى « مازندران » لقمع فتنة