حسن الأمين
35
مستدركات أعيان الشيعة
نواحي خراسان حيث تكثر الزلازل . وظل ينام في الخيمة إلى أن تم بناء المنام الذي أمر به . آقا محمد خان والحكام في سنة 1200 ه ، إذ اتخذ « آقا محمد خان » طهران عاصمة له ، كان مجال حكمه يشمل نواحي « بسطام » و « شاهرود » و « جيلان » و « طالش » و « كرمانشاهان » و « أصفهان » و « أسترآباد » و « مازندران » أما سائر النواحي فكان يحكمها أمراء مستقلون . وبعضهم كان يتخذ لنفسه لقب « الملك » . ففي خراسان كان يحكم « شاه رخ شاه » حفيد « نادر شاه » . وفي « كردستان » يحكم « خسرو خان » ويدعوه أتباعه « خسرو شاه » . وفي جنوب إيران يحكم الزنديون على ما بينهم من خلاف . وفي آذربيجان جماعة من الأمراء المحليين ورؤساء القبائل مستقلون بالحكم عن المركز . وقد ظل « آقا محمد خان » إلى سنة 1205 هلا يستطيع دخول تبريز . بل كانت حاشية « آقا محمد خان قاجار » أنفسهم في بدء ملكه لا ينقادون إليه يشغبون عليه ويثورون ، إذ كانوا يأنفون من الانقياد لخصي . ومن سنة 1200 ه ، إذ اتخذ « آقا محمد خان » طهران عاصمة له ونودي به ملكا ، إلى سنة 1212 أو سنة 1211 ه ، إذ قتل في مدينة « شوشي » في القفقاس ، اتفق مرارا أن خرج عليه حكام كان قد نصبهم لإدارة شؤون بعض الولايات . وكل ما كان يحملهم على التمرد عليه هو كونه خصيا . فيستهينون به ، إذ يرون أنفسهم رجالا أسوياء فيحسبون أنهم ، لذلك ، قادرون على التغلب عليه واستخلاص الملك من يده ، غافلين عن نبوغه وقدرته على إتقان أعماله . ومن هؤلاء إخوته الآخرون ، غير ذينك الذين انتهى أمر أحدهما إلى التعيش من الحفر على المعادن ثم مات في خراسان ، وانتهى أمر الآخر إلى الفرار من إيران إلى روسيا والمكث فيها إلى أن مات . فقد خرج عليه اثنان آخران من إخوته ، فقتل أحدهما وأعمى الآخر . إن « آقا محمد خان » ، وقد خصي - في أصح الروايات - في مطلع شبابه ، وسلم - ولم يكد - من الموت والعمى ، وبات أسيرا عند « كريم خان زند » ، كان يعاني من ذلك عقدة ولا شك . ومن مظاهر هذه العقدة أنه لم ير ضاحكا قط . إلا أنه حين كان أيام أسره يحضر في بلاط « كريم خان زند » ويتفق أن يضحك لشيء يسايره « آقا محمد خان » بضحكة مغتصبة تأدبا . فلما تحرر من الأسر ثم أصبح ملك إيران لم ير ضاحكا قط ، ولا انفرجت شفتاه ببسمة أو ضحكة مهما سمع أو رأى من المضحكات . وكذلك لم ير باكيا قط إلا في مجالس تعزية الحسين ( ع ) . وزاد في عقدته شدة خيبة أمله برجاله ومن كان يراهم موضع ثقته واعتماده ، إذ كانت خيانتهم له لا تنقطع ، حتى عاد امرأ قاسيا لا يرحم . وأخبار قساوته وفظاظته في معاقبة خصومه تقشعر من ذكرها الأبدان . ويوم فر من شيراز ثم مضى إلى « أسترآباد » لم يكن هذا شانه . وتغيرت حاله أي القساوة والفظاظة سنة 1202 ه ، وظل هذا شانه مدة عشر سنوات ، إلى آخر حياته . ويحتمل احتمالا قريبا من اليقين أن علة قساوته ناشئة مما لقيه من خيانة إخوته ورجاله المقربين الذين جعلهم موضع ثقته . ولم تقتصر الخيانة له على حكام الولايات والإيالات الذين كان ينصبهم ، ثم لا يلبثون أن ينقلبوا عليه عاصين متمردين بل تعدتهم إلى حكام النواحي الصغيرة مثل « جسكر » و « منجيل » و « آباده » فإنهم كانوا لا يلبثون أن يتمردوا عليه كلما أصبح بعيدا عنهم . ولم يلق حاكم ما لقيه « آقا محمد خان » من سوء معاملة رجاله له . فهو ، من هذه الجهة ، أسوأ الحكام حظا . ومن أجل أن يرهب غيرهم فلا يقدموا على ما أقدم عليه هؤلاء من خيانة كان يعاقب من خانه من الرجال الذين وضع فيهم ثقته بان يقطع أحدهم نصفين ( 1 ) أو يدفنه حيا أو يلقيه في الماء الغالي . وأخف عقوباته كان الإعماء ! وكان ابن أخيه « فتح علي خان قاجار » الملقب بلقب « خان بابا خان جهان باني » وفيا له ثابتا على ولائه مطيعا لأوامره ، فأصبح أقرب المقربين إليه . وهو الذي نصبه في سنة 1200 هنائبا عنه ، ونصبه سنة 1204 . وليا لعهده ، وتولى الملك بعد وفاته باسم « فتح علي شاه » . وقد تربى على يدي عمه وتعلم منه فن الحرب والإدارة . وكان ، كعمه ، مقتصدا . ( 2 ) مواصلة الحرب بعد أن أقام « آقا محمد خان » في طهران قليلا بلغه أن جعفر خان زند « ، بعد أن فر من أصفهان إلى شيراز ، عاد فسار إلى أصفهان ينوي احتلالها . فعهد « آقا محمد خان » إلى نائبه « خان باب جهان باني » بمهام الملك ، وسار هو قاصدا أصفهان . وكان « جعفر خان زند » قد اقترب بجيشه منها . فلما علم أن « آقا محمد خان » سائر إليها تراجع وذهب إلى « بروجرد » . وكان عالم فاضل أديب اسمه « الشيخ جعفر التنكابني » قد ظهر في بلاط « آقا محمد خان » في سنة 1200 هوأصبح من حاشيته . ولا يعلم مبدأ صلته به . وكان عمله الرسمي في البلاط هو قراءة الكتب ل « آقا محمد خان » . إلا أنه كان يستشيره أيضا في بعض شؤون الحكم . وقد ذكرنا أن « آقا محمد خان » كان على اطلاع جيد على فلسفة « ابن طفيل » . وزاده التنكابني علما بان أطلعه على فلسفة « الغزالي » . وقبل خروجه من طهران إلى حرب « جعفر خان زند » أعطاه التنكابني حرزا منسوبا
--> ( 1 ) عقوبة رهيبة . كانت تجري على هذا النحو : يعلق المحكوم عليه منكوسا بشجرتين متقابلتين أو عمودين نصبان متقابلين ، وذلك بربط إحدى قدميه برأس إحدى الشجرتين أو رأس أحد العمودين ، والقدم الأخرى برأس الشجرة أو العمود الآخر على نحو يجعله منفرج الفخذين . ثم يضرب بساطور قدا بين فخذيه إلى أن ينشطر إلى شطرين . ( 2 ) ذكر المؤرخ الفرنسي « جان غوره » أن « فتح علي شاه » ، وقد رباه عمه « آقا محمد خان » ، كان مقتصدا ، تعلم الاقتصاد من عمه . وحين اعتلى العرش ظل سائرا على خطاه ، لا يسخو بالمال إلا في أمرين . أحدهما جوائز الشعراء . إلا أن تعيين مخصصات لجوائز الشعراء لم يكن يعد يومئذ سخاء لأن منح هذه الجوائز كان يعد من السن المفروضة في حياة البلاط . ومع ذلك كان ما يناله الشعراء من جوائز فتح علي شاه مقدارا قليلا من المال . والأمر الآخر الذي كان يسخو له فتح علي شاه بالمال هو نفقات الحريم . وكانت مقدارا كبيرا . وينقل « جان غوره » عن العقيد الإنكليزي « غولد اسميث » قوله إن مخصصات حريم فتح علي شاه كانت أكثر من مخصصات جيشه . ولو أنه أنفق على جيشه بمقدار ما كان ينفق على سرايات نسائه لانتهت محارباته لأباطرة روسيا إلى مصير آخر غير ما انتهت إليه !