حسن الأمين
34
مستدركات أعيان الشيعة
بشارة أخرى هي تمكن جيشه الذي تركه عند طهران يحاصرها من فتح تلك المدينة أيضا . فبادر إلى إرسال رسالة إلى قائد ذلك الجيش أنعم فيها عليه بلقب « خان » ونصبه حاكما على طهران ، وأخبره بأنه ينوي جعل طهران عاصمة ملكه . فيكون بذلك قد أصبح حاكم العاصمة . واستقوت روحية « آقا محمد خان » بهذين الفتحين حتى إنه عزم على السير إلى أصفهان والتخلص من خطر ملك الجنوب « جعفر خان زند » كليا . معركة نصرآباد لما علم « جعفر خان زند » بتمزق جيشه في « قم » ، جهز جيشا آخر وجعل على قيادته « أحمد خان » ابن « آزاد شاه الأفغاني » الذي مر ذكره . وقال له لا بد لنا من القضاء على آقا محمد خان قاجار وإلا قضى علينا . لقد أرسلت نجف خان زند ليأتيني برأس آقا محمد خان ، فارتكب ، لجهله ، خطا خسر به جيشه وعتاده وفر منهزما وحيدا . وعليك الاتعاظ به وتجنب الوقوع في مثل خطئه . فسر إلى آقا محمد خان وابعث إلي برأسه . وإن ظفرت به حيا فاحمله إلى أصفهان مقيدا . وجعل لقائد جيشه هذا « أحمد خان » معاونا اسمه « تقي خان زند » . وكان شجاعا تروى عن شجاعته العجائب وكانت إحدى يديه مقطوعة . ومع ذلك يحارب بيد واحدة ، ويثبت في القتال ثباتا يشبه الأساطير . وخرج جيش « جعفر خان زند » من أصفهان قاصدا نواحي « قم » و « كاشان » . وحين خروجه هذا كان جيش « آقا محمد خان » قد خرج أيضا من « قم » قاصدا أصفهان . والتقى الجمعان بالقرب من « نصرآباد » في نواحي « كاشان » . وكانت عدة جيش « آقا محمد خان قاجار » ثلاثين ألفا ، وجيش « جعفر خان زند » خمسة عشر ألفا . ونشبت بين الفريقين معركة أدار فيها « آقا محمد خان » تحركات عسكره على أدق وأبرع ما تقتضيه الفنون العسكرية يومئذ من دقة وبراعة . وكانت هذه المعركة بين كل المعارك الحربية التي خاضها أحسنها تنظيما وتخطيطا . ورتب خطة محكمة لتطويق جيش العدو . ورأى « أحمد خان » ومعاونه « تقي خان زند » أنهما واقعان في الطوق لا محالة ، ولا مخرج لهما منه إلى غير القتل أو الأسر . فاما « أحمد خان » فقد امتطى حصانه وفر هاربا . وأما « تقي خان زند » فقد أبت له همته وإباؤه أن يفر وعزم على الثبات حتى الموت ، هذا وهو يحارب بيد واحدة لا يقدر على الإمساك بالبندقية ، وسلاحه السيف و « الطبنجة » . فلما رأى أن عسكر القاجاري آخذ في محاصرته من كل جانب ، امتطى حصانه ، وهجم مع جماعة من فرسان الزنديين على جهة القلب من العسكر القاجاري ، وهو يعلم أنه سائر إلى الموت . وأخذ العدو يرميهم بالرصاص فقتلت خيولهم . وأدام « تقي خان زند » ورجاله الهجوم راجلين . ثم أصابت رصاصة « تقي خان زند » في فخذه ، فوقع على الأرض لا يقدر على النهوض . ثم أخذوه أسيرا . وانتهت المعركة بانتصار « آقا محمد خان » وهزيمة الجيش الزندي . ولم يتوقف « آقا محمد خان » في « نصرآباد » ، بل تابع سيره فور انتهاء المعركة ، إلى مدينة « كاشان » لينطلق منها إلى أصفهان . وفي « كاشان » أمر « آقا محمد خان » بإحضار « تقي خان زند » إليه ، وكانوا قد ضمدوا جرحه . ولكنه كان جرحا لا يرجى شفاؤه وبات متيقنا أن « تقي خان زند » ميت به لا محالة فلما أحضروه قال له « آقا محمد خان » : هل عرفتني ؟ فقال « تقي خان زند » : أجل . فقال القاجاري : أتذكر إذ قلت لي يوما في شيراز « يا قرد » ؟ فقال الزندي : والآن أنت في عيني قرد أيضا ! فقال القاجاري : كنت أنوي الإبقاء عليك حيا لا أقتلك ، لأنك مقطوع اليد جريح . ولكن تبين لي أنك أسفه مما كنت أتصور ! ومن كان على هذا القدر من الوقاحة لا يجوز أن يبقى حيا ! ثم دعا « آقا محمد خان » الجلاد وقال له : أقطع أولا لسان هذا الوقح لكيلا يستطيع بعدها التلفظ بما لا يليق . فلما قطع لسانه قال له : والآن أقطع رأسه . فما كان من « تقي خان زند » إلا أن توجه نحو « آقا محمد خان » رابط الجأش غير جازع ، وبصق عليه . ولكن بصاقه لم يكن غير الدم الجاري من لسانه المقطوع ! ثم قطع الجلاد رأسه ! العاصمة طهران ثم غادر « آقا محمد خان » « كاشان » إلى أصفهان وكان « جعفر خان زند » قد فر هاربا منها . وبذلك أصبحت أصفهان تابعة لملك « آقا محمد خان » . ومكث فيها أربعين يوما ثم غادرها إلى طهران . وهناك أنعم على فاتحها الذي عينه حاكما عليها بخنجر مرصع . وقتل حاكمها السابق « محمد خان » الذي كان عليها من قبل الزنديين ، وأعمى اثنين من ضباط جيشه . ثم أخذ يهيأ طهران لتكون عاصمة له . فأمر ببناء أربعة أسواق فيها وإنشاء مصنع كبير للماء وإقامة بعض العمارات في أطرافها الشمالية لتكون مصطافا له . وفي يوم الأحد حادي عشر شهر جمادى الأولى سنة 1200 هالموافقة سنة 1785 م - وكان يوم عيد النيروز - نودي به ملكا على إيران ثاني مرة . وكانت المرة الأولى في « مازندران » كما مر . ولكن لم تقم له مراسم التتويج المعتادة بل أقيمت هذه فيما بعد ، وسيأتي ذكر ذلك . وفي ذلك اليوم نفسه أصدر مرسوما باتخاذ طهران عاصمة لملكه ، وضرب النقد باسمه وخطب له على المنابر . وفي ذلك اليوم أيضا نصب ابن أخيه « فتح علي خان » الملقب ب « خان بابا خان جهان باني » الذي أصبح بعد ذلك « فتح علي شاه » نائبا عنه يقوم بمهام الملك كلما تغيب « آقا محمد خان » عن العاصمة . وقيل بل نصبه في هذا المنصب في يوم آخر من تلك السنة . وينسب مؤرخو العهد القاجاري الإيرانيون إلى « آقا محمد خان » القيام باعمال عمرانية ضخمة كثيرة في طهران غير ما ذكرنا وأنه وسع مساحتها . وكل القرائن تجعلنا نقطع بأنها مزاعم غير صحيحة . وما حدث في طهران من إعمار وخدمات أخرى كجر المياه إليها إنما حدث في عهد « فتح علي شاه » و « محمد شاه » و « ناصر الدين شاه » . وفي ليلة الخامس عشر من شهر جمادى الثانية سنة [ 1300 ] 1200 ه ، وكان « آقا محمد خان » نائما في إحدى العمارات التي أقامها « كريم خان زند » في طهران ، زلزلت أرض العاصمة واهتزت العمارة وسائر البيوت مدة بضع ثوان . فخاف « آقا محمد خان » مع شجاعته إذ لم يكن قد عرف زلزلة قبل ذلك . ومن تلك الليلة أخذ ينام في خيمة نصبت له في ساحة مكشوفة من العمارة . ثم أمر ببناء منام له لا تؤثر فيه الزلازل على نحو ما في بعض