حسن الأمين
31
مستدركات أعيان الشيعة
أكرههم على المساعدة بالقوة ، بإجبار رجالهم على التجند ومصادرة أموالهم . وقد تسرع في إصدار هذا الأمر على غير تدبر لما استولى عليه من غضب وهياج . فقد غضب المازندرانيون على « آقا محمد خان » بسبب ضريبة اللحى ، وقد رفعها عنهم وزال غضبهم عليه . وهم فقراء لا يستطيعون المساعدة . ومصادرة أموالهم سيجعل منهم أعداء للزنديين لا نصراء لهم . ومن جهة أخرى كان « آقا محمد خان » قد استولى على كل « مازندران » وتمكن من السيطرة عليها ، ويتعذر التمرد عليه . فانفاذ أمر « علي مراد خان زند » غير ممكن إلا بمعجزة . ولما وصل « رستم خان » إلى « مازندران » لم يجد أموالا للمصادرة غير مواشي الفلاحين ، فصادرها . وأجبر الرجال على التجنيد ، فكانوا يفرون من وجهه فعمم أمرا على القرى أن كل من فر من الجندية تسبى نساؤه ويقتل أبناؤه . ولما قرب « رستم خان » من « ساري » خرج « آقا محمد خان » إلى ملاقاته . ولما حمل جنده على جيش الزنديين بادر من فيهم من المازندرانيين الذين أجبروا على التجند إلى إلقاء أسلحتهم والاستسلام لجيش « آقا محمد خان » . ولم يستطع من بقي مع « رستم خان » الثبات فتضعضعوا وتفرقوا سريعا وأسر فريق منهم ، ولما يمض على بدء المعركة غير ساعات قليلة . وفر « رستم خان » ، ولكنه لم يجرؤ على العودة إلى طهران ومواجهة « علي مراد خان زند » منكسرا ، وقد رأى بعينه كيف استقبل هذا ابنه بعد عودته إليه منكسرا . فذهب إلى أصفهان . ورأى المازندرانيون في « آقا محمد خان » منقذا لهم فعادت نقمتهم السابقة عليه حبا له . وزادهم حبا له أنه وضع في أيديهم ما غنمه من « رستم خان » ، وفيه المواشي التي صودرت منهم فاستعادوها . ولم يسبق أن وهب عسكري منتصر غنائمه للناس وأعاد إليهم ما خسروه في الحرب . فأخذوا يدعون له في المساجد بالسلامة والنصر وطول العمر . وأبلغ ضباط جيش « رستم خان » وجنوده المنهزمون حين عادوا إلى طهران « علي مراد خان زند » نبا الهزيمة . وكان هذا مريضا بداء السكر . فاشتد به المرض لما ركبه من غم هذا الخبر المشئوم . وزاده غما على غم نبا آخر وصله بان حاكم أصفهان من قبله قد عصى وخرج عليه . فعزم « علي مراد خان زند » على السير إلى أصفهان لقمع الحاكم المتمرد . وبعد مسيرة ثلاثة أيام عجز عن مواصلة ركوب الخيل بسبب مرضه . فحمل على « تختروان » مسطحا على ظهره . ولكنه لم يلبث أن عجز عن البقاء منسطحا لأورام نبتت في ظهره فاضطر إلى البقاء منبطحا على وجهه . فلما وصل إلى قصبة اسمها « مورشه خورت » في نواحي أصفهان أغمي عليه . ولم يفق بعد ذلك من إغمائه قط إلى أن مات في الثاني عشر من شهر رمضان سنة 1198 ه . وبموته استراح « آقا محمد خان » من خصم عنيد . ولعل « آقا محمد خان » لم يكن مستطيعا الوصول إلى منصب الملك لو ظل « علي خان زند » حيا ، لما اتصف به من ثبات ورباطة جاش وقوة إرادة . وكان الأمراء الزنديون في حياته مضطرين إلى الخضوع له لتفوقه عليهم . فلما مات حدث بينهم ما حدث بعد وفاة « كريم خان زند » ، فعادوا إلى التنابذ والتذابح . فيما بينهم . وكل من طالت يده أحدا منهم قتله أو أعماه . من ذلك أن « جعفر خان زند » ، وكان قد حصل في شيراز على شيء من الاقتدار ، اعتقل « الشيخ خان زند » ابن « علي مراد خان زند » فأعماه ، مع أن « الشيخ ويس خان زند » كان ابن عمه ، ولم يكن يطلب لنفسه شيئا من شؤون السيطرة والحكم ، ولا طامعا في شيء منها . ولكن « جعفر خان زند » احتمل أن يأتي يوم تحدثه نفسه فيه بطلب الملك فيصبح عائقا في طريقه ، فأقدم على اعماء هذا الشاب وهو في إبان شبابه ووسامته . مصير أخوي آقا محمد خان مر أن « الشيخ ويس خان زند » لما تغلب على « آقا محمد خان » أيام ضريبة اللحى ، وفر هذا من مازندران إلى « أسترآباد » ، التحق أخوه « مرتضى قلي خان » و « رضا قلي خان » بالشيخ ويس خان زند وحصلا منه على منصب في الجيش . فلما تغلب « آقا محمد خان » على « الشيخ ويس خان زند » في معركة « أسترآباد » وفر هذا إلى طهران توارى أخوا « آقا محمد خان » عن الأنظار ، وذهب « مرتضى قلي خان » إلى « خمسة » ومنها إلى « تبريز » . ثم ذهب من هناك إلى روسيا فبقي فيها إلى أن مات هناك . ومضى أخوه الآخر « رضا قلي خان » إلى خراسان ليلتحق بالشاه الأعمى « شاه رخ أفشار » ، وكان لا يزال يحكم في خراسان . ولم يكن لآقا محمد خان يومئذ شيء من السلطان على خراسان ، فامل « رضا قلي خان » أن يكون هناك بعيدا عن متناول يده . ولكن « شاه رخ شاه » لم يطمئن إليه فجافاه وأبعده عنه ، وقال لحاشيته إن من خان أخاه جدير بان يكون أكثر جرأة على خيانتي . وإذ قطع « رضا قلي خان قاجار » أمله من « شاه رخ شاه » ، وكانت صلته بأخيه مقطوعة فقد ضاق به أمر معاشه فأرسل رسالة إلى أخيه « آقا محمد خان » أعلن فيها بتوبته وندامته على ما كان منه والتمس منه العفو والمسامحة . ولكن « آقا محمد خان » لم يجبه على رسالته . وكان « رضا قلي خان » قد اتفق له أن تعلم في شبابه صنعة لم تكن يومئذ تليق بالأمراء ، وهي صنعة النقش على المعادن بالحفر . فعزم على أن يتعيش منها . ولكن كان عليه لممارسة صنعته أن يجلس إلى دكة صغيرة مكشوفة للريح والشمس كما هي حال أصحاب هذه الصنعة يومئذ . وإذ كان معروفا في مشهد ، وكان جلوسه هذا المجلس يعرضه لسخرية الناس لأن اتخاذ الأمراء لأنفسهم صناعة يدوية كان يعد عارا في الشرف يومئذ ، فقد رأى أن يمارس صنعته ويتعيش منها في مكان لا يعرفه فيه أحد . . فخرج من مشهد وذهب إلى مدينة « هرات » حيث يجهل الناس من هو ، واتخذ مجلسا في مقبرة اعتاد أصحاب هذه الصنعة والذين يتعاطون مهنة كتابة الرسائل والعرائض للناس أن يجلسوا فيها ، وأخذ يمارس صنعته . وظل في هذا العمل مدة سبع سنوات . وبعدها عفا عنه « آقا محمد خان قاجار » وأمده بمال ودعاه إلى الحضور إلى طهران . عندئذ عهد « رضا قلي خان » بدكانه إلى أجير كان عنده واشترى حصانا ومضى إلى مشهد ليذهب منها إلى طهران . فلما وصل إلى مشهد وعك ، وكان فصل الشتاء أيضا قد حل فتعذرت عليه مواصلة السفر ومكث في مشهد وسكن في بيت عاش فيه وحده وتقوم بخدمته امرأة عجوز . ثم