حسن الأمين
32
مستدركات أعيان الشيعة
قضى نحبه هناك ولا يعرف أين دفن . وحين توفي كان أخوه « آقا محمد خان » قد أصبح ملك إيران وجعل طهران عاصمة له . إلا أن « شاه رخ شاه أفشار » الأعمى كان لا يزال يحكم في خراسان . محاصرة طهران ثاني مرة يوم عزم « آقا محمد خان قاجار » ، بعد انتصاره في « مازندران » ، على غزو طهران ، وعزم « علي مراد خان زند » ، وهو مريض بداء السكر ، على الخروج من طهران إلى أصفهان ، عين هذا حاكما على طهران اسمه « محمد خان » ، وهو ابن أخي « غفور خان » الذي مر ذكره في حصار « آقا محمد خان » لطهران أول مرة . وقد لقي الطهرانيون في ذلك الحصار الأول أهوالا من المجاعة التي وقعت في مدينتهم ومات جماعة منهم جوعا . وفي سنة 1199 هعادوا فوقعوا مرة أخرى في حصار « آقا محمد خان » . وما بين اليوم الذي قتل فيه « نادر شاه أفشار » واليوم الذي استقوى فيه « آقا محمد خان » وتمكنت سيطرته لقيت طهران كثيرا من المشقات والمخاطر . فموقعها الجغرافي كان يعرضها في المحاربات التي حدثت في تلك الحقبة لغزوات متتابعة . فهي لا تنفك متداولة من يد إلى يد . وفي كل محاربة وكل محاصرة يموت فريق من الطهرانيين بالقتل أو بالجوع أو بالمرض . وبعد هلاك « علي مراد خان زند » في « مورشة خورت » التي هي من أعمال أصفهان أصبح « جعفر خان زند » مقدما بين أمراء الزنديين ، واستطاع الحصول على قدر من القوة بقتل بعض من يخشى منافستهم وإعماء بعض آخر منهم ، وفيهم « الشيخ ويس خان زند » ابن « علي مراد خان زند » كما مر . ثم دعا « جعفر خان زند » من بقي من الأمراء الزنديين إلى الاجتماع في أصفهان . أرسل إليهم رسالة أقسم لهم فيها أنه لا ينوي قتل أحد منهم ولا إلحاق شيء من الأذى بهم على الإطلاق . وإنما مراده إنشاء عهد جديد من التفاهم والتأخي بين الأمراء الزنديين . وأجاب هؤلاء دعوته واجتمعوا في أصفهان . فدعاهم « جعفر خان زند » إلى نسيان الماضي وجمع كلمتهم . وقال لهم إن الشقاق والتقاطع هو الذي أضعفهم حتى آل أمرهم إلى أن تطلع إلى منصب الملك خصي قاجاري لا يعد رجلا بين الرجال ولا امرأة بين النساء ، وحزم أمره على منابذتهم والقضاء عليهم ، مع أنهم هم ورثة ملك إيران . وأطال الكلام وضرب الأمثلة في هذا الموضوع . وعاهدهم على أن ينعم عليهم بارفع المناصب لا ينتزعها منهم ما دام حيا ، إن هم ساعدوه في الوصول إلى عرش الملك . فأجابوه بالسمع والطاعة . وشرع هو فورا باعداد مراسيم تعيينهم في مناصب مختلفة من الحكم . وبعد بضعة أيام دعاهم مرة أخرى وشرح لهم خطته إلى غايته . وقال : نحن الآن نملك من طهران إلى ساحل الخليج . ولكن « جيلان » و « مازندران » و « أسترآباد » خارجة عن أيدينا . وفي خراسان تحكم الأسرة النادرية . وخطتي هي احتلال أرض إيران كلها وإيكال حكومة كل من ولاياتها إلى أمير من أمراء الزنديين . وليس لنا منافس قوي سوى آقا محمد خان الخصي . فعلينا إخضاعه والقضاء عليه . فأجابه أحدهم ، « نجف خان زند » ، باني حاضر لمحاربة « آقا محمد خان قاجار » وحمل رأسه إليك . فعهد إليه « جعفر خان زند » بقيادة جيش ، وفوض إليه أن يفعل كل ما يراه مناسبا للحصول على النصر . وسار « نجف خان زند » بجيشه من أصفهان قاصدا « مازندران » ليعاجل « آقا محمد خان » بالهجوم قبل أن يتحرك هذا إلى إنقاذ خطته بالهجوم على الولايات المركزية . وفي أثناء سيره أوقع بسكان القرى مظالم كثيرة إذ كان يسلب منهم الطعام لجنده والعليق لدوابه ، فلا يجرؤن على الاعتراض . ولما وصل « نجف خان زند » إلى كاشان « بلغه أن » آقا محمد خان « قد حاصر طهران . فعزم على مهاجمته ليحصره بين نارين ، الجيش المدافع عن طهران وهو تابع للزنديين ، وجيشه المهاجم من خارجها . وكان « آقا محمد خان » قد حاصر طهران في شهر ربيع الأول سنة 1199 ه . وهو لا ينفك يتحرى أخبار الزنديين والاحتياط لنفسه منهم . فلما بلغه مسير « نجف خان زند » إليه تنبه لخطر انحصاره بين الجيش المدافع والجيش المهاجم . فترك قسما من جيشه على حصار طهران وسار بقسم آخر إلى ملاقاة « نجف خان زند » بعيدا عنها ، ليتفادى الانحصاريين الجيشين العدوين . محاصرة قم وثورة القميين وسار « آقا محمد خان » من طهران قاصدا « نجف خان زند » في « كاشان » . وكانت طريقه على مدينة « قم » . وكان يتوقع أنه ، بعد اجتيازه « قم » ، سيجد « نجف خان زند » في نواحي مدينة « كاشان » . ولكنه حين وصل إلى « قم » وجد أبوابها مغلقة ، وأن « نجف خان زند » متحصن فيها . وذلك أن « نجف خان زند » إذ كان ماضيا في إنفاذ خطته ومتابعة السير إلى طهران ، بوغت ، على غير توقع ، بمسير « آقا محمد خان قاجار » إليه ، فاضطر إلى تغيير خطته تغييرا مرتجلا . وذلك بالتحصن في « قم » . فدخلها وتحصن فيها على غير استعداد . ولذلك أعوزته المئونة اللازمة . فصادر كل ما وقعت عليه يده من أرزاق القميين ، وأوقع بالأهالي مظالم فاحشة . ووقعت مجاعة شديدة . أما « آقا محمد خان » فقد ضرب على المدينة حصارا . وأيس القميون من حصول الفرج . وكان فيهم رجل من سلالة الزهراء ( ع ) ، وجيه من أهل الرأي والتدبير ، يرعى مصالح الناس ويرجعون إليه في حل مشاكلهم اسمه « مير السيد علي القمي » . ففزعوا إليه للنظر في مخرج من هذا الضيق . فاقترح عليهم القيام بعمل صعب فيه مخاطرة ويلزمه كثير من الدقة وسرعة الخاطر والشجاعة . ولكن لم يكن في اليد حيلة غيره فقبلوا به وعزموا عليه . وتعهد « مير السيد علي القمي » بان يقوم بأصعب قسم من هذه الخطة . وكانت خطة « مير السيد علي القمي » هي مواطاة « آقا محمد خان » على أن يهجم هو من الخارج ويهجم القميون من الداخل على بوابة معينة من بوابات السور في وقت واحد والتغلب على حراسها وفتحها في وجه « آقا محمد خان » . أما طريقة إيصال الخبر إلى « آقا محمد خان » فقد رتبها « مير السيد علي