حسن الأمين

309

مستدركات أعيان الشيعة

قد رأينا الأيوان إيوان كسرى فرأينا كالطود طولا وعرضا أو جلال جلنفع « 1 » صحب الأيام حتى أعدته اليوم نقضا أثر الرحل في ثراه ندوبا نلن بعضا منه وأعفين بعضا فهو يلقاك بادنا بعد ما أبلى كرور الزمان منه وأنضى عرق الدهر حسنه وهو باق كالمدى تعرق الرمية نحضا « 2 » فترى العين فيه أبهة الملك وعيشا لأهله كان خفضا فهي تغشاه بالتنكر وحشا خلقا ثم بالتذكر غضا ومشينا بعرصة لم تزل فيها أمور الملوك تمضى وتقضى كل قرم كالليث هجهجوه عن صريع له أرم وأغضى لبس الملك يافعا ووليدا وارتقاه شدا إليه وركضا وجثا ناشئا على خشب الملك فارجى في العالمين وأمضى وعرانين لا يطور بها الرغم وأيد يطلن بسطا وقبضا ورؤوس بين الأنام رؤوس وجسوم غذين بالعز محضا ولقد مضني هجومي على الدار بلا آذن على الدار مضا مرحا أسحب الرداء على أجرد ينزو طورا وطورا بضا حيث كانت ضلوع من ولج الباب ينفضن بالمخافة نقضا ورباع كانت غياض أسود أصبحت للضباع مأوى ومفضى ومناخ للجود يحظى ويرضى فيه من لم يكن عن الدهر يرضى عقروا عنده المطي وألفوا وقد استوطنوا سمارا « 3 » وعرضا بين قوم يزيدهم عدل اللوم في المكرمات حثا وصرصا سكنوا جانب المدائن في ابيض كالشمس يوسع العين ومضا يأخذون الأموال بالسيف حتى ينهبوها الرجال نفلا وفرضا كلما أتلفوا أخلفوا كوفي القوم أم الغنى ليقضى قرضا ومهيبون يحسب الأمن من مولاهم الخوف والمحبة بغضا وجليد الرجال إن واجهوه غبن اللحظ من حذار وأغضى كيف أرضى عن الزمان وما أرضى كريما قبلي الزمان فارضى نقتريه جدبا وبيا ونمريه ضنينا ونرتعي منه برضا ليس يبقى إلا ويفنى ، ولا يعلى قليلا حتى يطأطئ خفضا سنة الليث كلما هم أن يبعد وثبا زاد انحطاطا وربضا وأولع الشريف بوصف الطيف ولعا بالغا حتى بلغ ما نظمه فيه 325 بيتا ( 1 ) وهو عدد لم يبلغه أحد من الشعراء فيما أحصاه « المرتضى » نفسه ، وكان في وصفه للطيف متحررا على خلاف عادته في موضوع الغزل ، وقد كفانا مئونة تعليل ذلك بما علله نفسه إذ قال : « إنه لقاء واجتماع لا يشعر الرقباء بهما ، ولا يخشى منع منهما ، ولا اطلاع عليهما ، والتهمة بهما زائلة ، والريبة عنهما عادلة ، وإنه تمتع وتلذذ لا يتعلق بهما تحريم ، ولا يدنو إليهما تأثيم ، ولا عيب فيهما ولا عار » . ( 2 ) ومن مظاهر تحرره وانطلاقه قوله : أمنك سرى طيف وقد كاد لا يسرى ونحن جميعا هاجعون على غمر تعجبت منه كيف أم ركابنا وأرحلنا بين الرحال وما يدري وكيف أهتدي والقاع بيني وبينه ولماعة القطرين مناعة القطر وبات ضجيعا لي ونحن من الكرى كانا تروينا العتيق من الخمر أضم عليه ساعدي إلى الحشا وأفرشه ما بين سحري إلى نحري تمنيته والليل سار بشخصه إلى مضجعي حتى التقينا على قدر ( 3 ) ومما استحسنوا له : وزور تخطى جنوب الملا فناديت أهلا بذا الزائر أتاني هدوا وعين الرقيب مطروفة بالكرى الغامر فأعجب به يسعف الهاجعين وتحرمه مقلة الساهر وعهدي بتمويه عين المحبب تتم على قلبه الطائر فلما التقينا برغم الرقاد موه قلبي على ناظري « 7 » ويحسن بي أن أشير إلى أن الموضوع « الطيف » موضوع نظم فيه الشعراء ممن سبقوا الشريف ، وأنه وقف على أغلب ما نظم فيه ، فاقتبس جل ما نظم - إن لم يكن كله - وزاد عليه . وكذلك حاله في وصف الشيب والشباب ، فقد أكثر فيه وتجاوز كل ما نظم من قبله في هذا الموضوع ، وله فيه ما يزيد على 300 بيت . ( 4 ) والملاحظ في وصف الشيب عند الشعراء أنه يورد فيه المعنى والآخر في المناسبات العابرة ، لم يقصد لذاته في وصف ، ولم يعن به موضوعا أساسا في القصيد . ولكن « المرتضى » اتخذ منه موضوعا مستقلا للقول ، يحرص على استيفاء القول فيه ، ونظم كل معنى يمكن أن يخطر عند خطوره ، وربما حاول أن يجمع كل ما قيل فيه في قصيدة ، حتى لكأنه يؤلف كتابا فيه ، أو أرجوزة تحتوي جملة معانيه . ويخيل إلي أن الباعث على الاستزادة في هذا الموضوع ملاءمته لمقام الشريف فليس في معانيه ما يخرج به عن وقاره ، أو يسوقه على تجاوز طوره ، والشريف نفسه أشار إلى هذا عند مدحه للشيب وذمه ، فقد قال في مدحه : « إنه يمدح فيه الجلالة والوقار ، والتجارب والحنكة ، وأنه يصرف عن

--> ( 1 ) طيف الخيال ص 115 ط مصر . ( 2 ) المصدر السابق . ( 3 ) طيف الخيال ص 77 ط مصر . ( 4 ) الشهاب ص 3 ط الجوائب .