حسن الأمين
310
مستدركات أعيان الشيعة
الفواحش ، ويصد عن القبائح ، ويعظ من نزل به ، فيقلل إلى الهوى طماحه ، وفي الغي جماحه ، وأن العمر فيه أطول ، والمحصل معه أفسح . وأن لونه أنصع الألوان وأشرفها « . وقال في ذمه : « إنه رائد الموت ونذيره ، وأنه يوهن القوى ، ويضعف المنة ، ويطمع في صاحبه ، وأن النساء يصددن عنه ، ويعبن به ، وينفرن عن جهته » . ( 1 ) وأنت ترى أن ما صوره من مدح الشيب وذمه لا يخرج عن مقام رجل الدين ، بل هو من معاني الوعظ والإرشاد الديني ، الذي يحسن بمثله أن يوليها العناية والترديد بين الناس . لهذا نحسب أن إكثاره في وصف الشيب كان بهذا الباعث المشبع لميوله ونزعته الدينية . وستجد في القصيدة التي نعرضها عليك كل ما قدرناه من طرقه للموضوع غاية في نفسه ، ومن استيفائه لجملة معانيه ، ومن تناوله تناولا لا يبعد به عن مقام رجل الدين . هل الشيب إلا غصة في الحيازم وداء لربات الخدور النواعم يحدن إذا أبصرنه عن سبيله صدود النشاوى عن خبيث المطاعم تعممته بعد الشبيبة ساخطا فكان بياض الشيب شر عمائمي وقنعت منه بالمخوف كأنني تقنعت من طاقاته بالأراقم وهددني في كل يوم وليلة سنا ومضه بالقارعات الحواطم فوالله ما أدري أصكت مفارقي بفهر مشيب أم بفهر مراجم حنتني منه الحانيات كأنني إذا ظلت يوما قائما غير قائم وأصبحت تستبطا منوني ويدعى - وما صدقوها - في اختلال العزائم فلا أنا مدعو ليوم تفاكه ولا أنا مرجو ليوم تخاصم فلا تطلبا مني لقاء محارب فما أنا إلا في ثياب مسالم مشيب كخرق الصبح غال بياضه برود الليالي الحالكات العواتم وتطلع في ليل الشباب نجومه طلوع الدراري من خلال الغمائم كاني منه كلما رمت نهضة إلى اللهو مقبوض الخطى بالأداهم وقد كنت أباءا على كل جاذب فلما علاني الشيب لانت شكائمي فلا ينغضن رأس إلى العز بعد ما تجلله مني مذل الجماجم فيا صبغة حملتها غير راغب ويا صبغة بدلتها غير سائم ويا زائري من غير أن استزيره كما زير حيزوم الفتى باللهاذم أقم لا ترم عني وإن لم تكن هوى فكم ذا سخطنا فقد غير ملائم فمن مبدلي من صبحه بظلامه ومن عائضي من بيضه بالسواهم ( 2 ) وخلاصته ما اسم به شعره الوصفي أن فيه استقاء لمعاني الموضوع الذي يطرقه ، بسبب وقوفه على ما أثر من معانيه عن الأقدمين ، وبطبيعة مزاجه العلمي الباعث على الاستقصاء والاستيفاء ، وأنه تعوزه طبيعة التحرر والتحضر الذي ألفناه في شعراء عصره ، مما قصر وصفه على مواضيع معينة ، ربما لا تكون من روح العصر العباسي ، أمثال وصفه الحية والذئب والقدور الراسيات . ج - شعره السياسي كان آل « أبي أحمد النقيب » ساسة محترفين ، بكل ما في الكلمة من معنى ، يكيدون ويكادون ، وينفعون ويضارون ، ويمشون إلى ماربهم السياسية في سر وفي علن ، بحسب ما تقتضيه الظروف والحالات . ولم يكونوا مجرد ساسة قول ، كأكثر من عرفنا من شعراء العربية ، الدين يقفون من الأحداث السياسية موقف المتفرج ، حتى إذا عن نصر ملك ، أو فتح لقائد ، طاروا إليه مع البغاة الطامعة بالأشلاء نهشا وتمزيقا ، وسعوا إلى الفاتح المنتصر مهنئين مباركين ، ليخلع عليهم من الغنائم والأسلاب . لم تكن أسرة « أبي أحمد النقيب » من أولئك ، بل كان الأب يعمل في دعم « آل بويه » بوفاداته وسفاراته وبخطبة في المواسم ، فيتنقل من العراق إلى الشام ، ( 3 ) ومن العراق إلى فارس أو إلى الحجاز ، يكره هذا على الطاعة ، ويستدرج ذاك إلى الولاء ، ويلقى في سبيل ذلك ما يلقى الساسة المحترفون ، من إخفاق مرة ، ونجاح أخرى . وكان ابناه « المرتضى » و « الرضي » يتتبعان حركات أبيهما فيسندانها من « بغداد » ، بالعمل في الخطوط الخلفية ، ينظمان القصائد في ماثره ، ويحمدان له جميل السعي ، وينوهان بما له من أياد بيضاء على الدولة الحاكمة ، والخلافة القائمة . ألمع إلى هذا بايجاز لأشير إلى أن شعر « المرتضى » السياسي لم يكن من طراز شعر « المتنبي » ، أو « البحتري » ، أو « أبي تمام » ، أو غيرهم من شعراء « اليتيمية » ، أولئك الذين يأتون الأحداث من أدبارها ، لم يسبقوها برأي ولا عمل ، ولم يشركوا فيها بنصيب ، فشعرهم السياسي - فيما يبدو لي - أدخل في باب وصف الحوادث ، وتسجيل وقائعها منه إلى الشعر السياسي بمعناه الدقيق المحدود . لقد شهدت « الرضي » و « المرتضى » يقاطعان « عضد الدولة » - وهو سيد ملوك آل بويه - جرأة وانتقاما ، لأن « عضد الدولة » اختلف مع أبيهما ونفاه وسجنه ، فكانا هما من بغداد يبعثان إلى أبيهما في سجنه بقصائد نارية متحمسة ، وما كان يمنعهما الخوف منه في أن يصطحبا ، أو يتصلا بمن ينقم منه أمثال « أبي إسحاق الصابي » . ( 4 ) ورأيت « المرتضى » يناصر الملك « بهاء الدولة » ويشيد بمواقفه ، لأن أباه ( أبا المرتضى ) كان في طلائع من مهد ل « بهاء الدولة » بالسلطان ،
--> ( 1 ) الشهاب ص 3 - 4 ط الجوائب . ( 2 ) انظر ابن الأثير حوادث 368 . ( 3 ) انظر ابن الأثير حوادث 390 . ( 4 ) منهم القواد : أبو الغنائم ، والأثير العنبري المكي ، وغريب بن محمد بن مقن ، والوزير أبو سعد بن عبد الرحيم ، والوزير فخر الملك ، والوزير الرخجي ، والوزير أبو القاسم المغربي ، ومن الكتاب : أبو إسحاق الصابي ، والكاتب البيهقي . انظر ابن خلكان ، الحوادث من عام 380 - 430 .