حسن الأمين

308

مستدركات أعيان الشيعة

وطرافة المعاني ، ولا في شعر غيره شبيها لها في موضوعها من استيفاء المعاني ، واستيعاب أطراف الموضوع . بدأ القصيدة ، بالنسيب ، وهو موضوع أن بعد عن وحي هذه الفريضة فإنه أقرب من الغزل والتشبيب على كل حال ، بل هو أدنى إلى الوعظ والإرشاد حين نتذكر ما يستشعر الحاج من حنين وتشوق إلى الديار المقدسة ، وما يوحيه الطريق إليها من إثارة خواطر الحب الناسك المتصوف ، وكل أولئك أدنى إلى النسيب من سواه . قال : ما ذا على الريم لو حيا فأحيانا وقد مررنا على « عسفان » ركبانا ؟ وليته إذ تحامى أن ينولنا لم يسترد الذي قد كان أعطانا بل ليت ماطلنا بخلا ومانعنا يوما تشبه بالمعطي فمنانا لا يستفيق يجازينا بلا ترة بالوصل هجرا ، وبالإعطاء حرمانا وكيف يأبى مواعيدا تعللنا من كان يوسعنا مطلا وليانا ثم انتقل يصف وقت السفر ، وحال المسافرين وهيئاتهم ، وما تحملوا من زاد الأخطاء والذنوب معهم ، حتى إذا بلغوا الحج وأدوا الفريضة أفرغوا ما في حقائبهم ، واستحقبوا الغفران بدل الذنوب ، عارضا في أثناء ذلك ما أدوا من آداب هذه الفريضة وسننها ، من الطواف والاعتمار واستلام الركن ، والسعي بين الصفا والمروة ، والنحر والاستغفار : عجنا إليه صدور اليعملات وقد نضا الصباح ثياب الليل عريانا والركب بين صريع بالكرى ثمل ومائل الرأس حتى خيل نشوانا محلقين تهادوا في رحالهم من بطن « مكة » أفرادا وأقرانا حلوا حقائبهم فيها مفرغة واستحقبوا من عطاء الله غفرانا من بعد ما طوفوا بالبيت واعتمروا واستسلموا منه أحجارا وأركانا ورد ذو السعي بين المروتين يفي بالريث حينا ، وفوق الريث أحيانا وعقروا ب « منى » من بعد جلستهم كوم المطايا مسنات وثيانا واستمطروا بعراص الموقفين وقد غامت عليهم سماء الله رضوانا ثم انتقل إلى وصف أرض « مكة » قبيل موسم الحج وأثناءه ، وهيئة الحجاج في بيتين بمنتهى الروعة وحسن التشبيه : أرض تراها طوال الدهر مقفرة والحج ينبتها شيبا وشبانا مسبلين كان البعث أعجلهم فاستصحبوا من بطون الأرض أكفانا ثم تحدث لمن يسال عن حال الطريق ، وما يلقاه الحاج عادة من مشاق ومكاره ، يهونها كونها في سبيل الله ومن أجله ، مشبها إياها بالطريق إلى بلوغ الجنة ، وما يقتضيه من إيمان وعمل روي عنه : أن أفضل الأعمال أحمزها : وسائل عن طريق الحج قلت له : لا يقبل الله إلا الصعب قربانا هو الطريق إلى سكنى الجنان فقل فيما يصيرنا في الخلد سكانا لما ركبناه أخرجنا على شغف من الصدور أهالينا ودنيانا ثم استوى في أمن وفي حذر عدلا من الله أدنانا وأقصانا فكم لقينا عظيما مر جانبنا وكم منينا بمكروه تخطانا وكم رمانا الردى عن قوس معطبة وصده الله أن يصمي فاشوانا وكم طلبنا مراما عز مطلبه لما انثنينا بياس عنه وأتانا ثم انتقل إلى وصف جبل من تلك الجبال التي عبروها أثناء الطريق في الليلة الظلماء ، على تلك العيس الضامرة المجهدة ، تقذف بهم من بلد إلى آخر ، ومن حي إلى حي : ومشمخر الذري تهفو الوعول له تخاله من تمام الخلق بنيانا يستحسر الطرف عن إدراك ذروته حتى يكر إلى راميه حيرانا جبناه لا نهتدي إلا بسارية من أنجم الليل مسراها كمسرانا إذا دنا الفجر منا قال قائلنا يا بعد مصبحنا من حيث ممسانا والعيس ضامرة الأحشاء طاوية لولا الرحال لخلناهن أشطانا إذا أتت بلدا عن غب متلفة رمى بها البلد المأتي بلدانا ثم ختم ذلك بتحية « نجد » وأهلها ، في نسيب عاطر يشبه ما بدأ به القصيدة : يا أرض « نجد » سقاك الله ملتمعا من الغمام غزير الماء ملانا إذا تضاحك منه البرق ملتمعا في حافتيه أرن الرعد إرنانا أرض ترى وحشها الآرام مطفلة وفي منابتها القيصوم والبانا وإن تجل في ثراها طرف مختبر لم تلق إلا حديقات وغدرانا وهكذا نراه يصف الحج في عرض شعري رائع ، يمكنك مستطيعا أو غير مستطيع من تمثل هذه الفريضة وأدائها وأنت على فراشك وفي منزلك . ووصف « طاق كسرى » بقصيدة رائعة أعدها توأمة قصيدة « البحتري » في وصف الإيوان ، إذ اشتملت على الأغراض التي اشتملت عليها قصيدة « البحتري » . فقد كانت بداية القصيدتين شكوى من الدهر ، ونعيا على صروفه ، وعلى ما تأتيه أحداثه ، وتتقلب به أيامه ، ثم التأسي بالملوك من « آل ساسان » ، بانية هذا الأثر الخالد ، ومقيمة ذلك الصرح المشيد ، ثم الدخول في وصف هذا الصرح القائم في تجد على رغم الدهر وأحداثه . وإذا كان هناك من فرق بين القصيدتين ، من حيث أن « البحتري » استعرض وصف التماثيل والصور الممثلة فيه ، واستطرد إلى القيان الغانيات في تحرر وانطلاق ، في حين لم يتعرض « المرتضى » لذلك ، واقتصر على وصف الأثر نفسه ، ووصف بناته ومشيديه ، فإنه يعود إلى تورع « المرتضى » من أن يشيد بالتماثيل والصور والقيان ، على عادة رجال الدين الذين لا يستبيحون لأنفسهم وصفها والتغني بها . وتحسن الإشارة إلى أن بحر القصيدتين واحد ، وكلتيهما على قافية يصعب امتداد النفس معها ، ولكنهما معا ثبتا للقافيتين في مقدرة بالغة . قال يصف إيوان كسرى : هل مجير من غصة ما تقضى أو شفيع في حاجة ليس تقضى يا زميلي انخ بشرقي « ساباط » مناخا على الركائب دحضا وتلفت فيما بنى « آل ساسان « عفاه الزمان ثلما ونقضا عرصات أصبحن وهي سماء ثم أمسين بالحوادث أرضا وثرى ينبت النعيم إذا أنبت ترب البلاد عشبا وحمضا « 1 »