حسن الأمين
307
مستدركات أعيان الشيعة
الحكمة والحشمة والوقار : هبت تلوم على الندى « هند » يا هند ، خير من غنى حمد الحمد يبقى لي وان تلفت نفسي ، وفات الأهل والولد والمال تأكله النوائب والأحداث حتى ما له رد يا هند ان الدار زائلة والقرب يأتي بعده بعد عمري يروح - وما أهبت به - ذاك الحمام به ولا يغدو ما كنت بالمنقاد في يده لو كان من أيدي الردى بد والمرء غاية لبسه كفن يبلى وآخر بيته لحد وكذلك حاله حين احتفى بالغزل معارضا قصيدة أخيه الغزلية المشهورة : يا ظبية البان ترعى في خمائله ليهنك اليوم أن القلب مرعاك ومع تقديري لصعوبة معارضة مثلها ، إذ قد تكلف كثير من الشعراء معارضتها فلم يوفقوا ، إلا أن « المرتضى » كان بادي العجز أكثر من سواه ، فليس الذي قاله يدخل في مستساغ القول فضلا عن جيده : مرت بنا بمصلى الخيف سانحة كظبية أفلتت أثناء أشراك نبكي ويضحكها منا البكاء لها ما ذا يمر من المسرور بالباكي فقلت : - والقول قد يشجي أخا شجن وربما عطف المشكو للشاكي - أعطيت منا الذي لم نعط منك فلو رام الهوى النصف أعطانا وأعطاك ولست بالريم لكن منك أحسنه ولست ظبيا وريا الظبي رياك تود شمس الضحى لو كنت بهجتها وود بدر الدجى لو كان إياك قد كنت أحسبني جلدا فايقظني مني على الضعف أني بعض قتلاك لا بارك الله في قلب قلاك ولا أبكى السماء لمن بالسوء أبكاك ولا تولى الذي ولاك جانبه ولا عدا الخير إلا من تعداك أشقيت منا قلوبا لا نقول لها أشقى الإله الذي بالحب أشقاك وكنت ملذوذة والمر منك لنا وما أمرك شيء كان أحلاك هل تذكرين - وما الذكرى بنافعة مسرى الركائب يوم الجزع - مسراك في ليلة ضل فيها الركب وجهته الا ضياء جمال من محياك بتنا نميل على أقتادنا طربا مصغين نحو الذي بالحسن أطراك مسهدين ولولا داء حبكم أكرى العيون لنا من كان أكراك إن بت آمنة منا عليك كما شاء العفاف فانا ما أمناك أو كنت سالية لما خطاك هوى غدا علينا فانا ما سلوناك وإن مللت فقوما لا ملال بهم وإن سئمت فانا ما سئمناك أي الشفاء لداء في يديك لنا وأي ري لصاد من ثناياك لولا الغواة وخوف من وشاتهم ما كان مثواي إلا حيث مثواك ملكتنا بالهوى والحب متعبة فحبذا ذاك لو أنا ملكناك ولو أصبت بداء قد أصبت به علمت ما في فؤاد بات يهواك أن تشكري فاشكري من لم يذقك هوى ومن بحبك أبلانا وعافاك وكيف يصحو فؤاد فيك مختبل تسري سرى دمه فيه حمياك ولو رميت وريعان الشباب معي أصميت مني من بالحب أصماك كم مرة زرتنا وهنا على عجل سريت فيه وما أسرت مطاياك حتى التقينا على رغم الرقاد وما ذاك اللقاء سوى وسواس ذكراك فان هجرت وقد أخلفت واعدة فبالذي زرت ما واعدتنا ذاك وخلاصة القول في غزله ، أن « المرتضى » قد يجيد التغزل حين يجري على لسانه في المقطوعة الصغيرة ، وإذ ينظم فيه على البحر القصير ، أما حين بتكلف له ، ويعمد فيه إلى مباراة الغزلين ، فان التوفيق قل أن يحالفه ، ويأخذ بلسانه . ب - شعره الوصفي ليس الوصف في واقعه بابا مستقلا في الشعر ، فالشعر بجملة أغراضه لا يخرج عن أن يكون وصفا للشيء الذي قيل فيه ، وإنما تعارف الشعراء والنقاد أن يطلقوا اسم « الشعر الوصفي » على ما تناول وصف الطبيعة ، وما يقع تحت الحس من مرافق الحياة ، على أن يتناول تناولا تصويريا يوضح معالم الشيء ، وما تثيره تلك المعالم من هواجس نفسية ، ويلفت النظر إلى ما يخفى من دقائقه ومفاتنه ، ووجوه الإثارة فيه . وكان الوصف وما يزال من أدق أغراض الشعر ، وأشدها استعصاء على التأتي والطواعية لقرائح الشعراء ، لهذا كان المبرزون فيه ندرة نادرة ، وأشدهم ندورا من أجاد الوصف في أكثر ما تناول من موضوعاته ، ك « ابن الرومي » و « ابن المعتز » و « أبي نواس » . وقد امتاز العهد العباسي بكثرة شعرائه الوصفيين ، بما آتته حضارته ونعيم العيش فيه ، وبما وقع تحت عيون شعرائه وبالقرب منهم من ألوان الترف والحسن ، ومظاهر الأبهة والفخامة . بقي للقرن الرابع من تلك المخلفات الحضارية والشعرية في الوصف وللوصف ما كان يمد شعراءه بأسباب اجادة القول فيه ، والتنوع في متناولاته ، وبحسبك أن ترجع إلى « يتيمة الثعالبي » لترى مختلف الصور للشعر الوصفي ، ومختلف الموضوعات التي تناولوها ، فليس من همي - وأنا في عرض خاطف - إلا أن ألفت النظر إليها عند الحديث عن الوصف في شعر « المرتضى » . ولقد تعجب إذ أقرر أن شعر « المرتضى » خلا من جملة تلك الموضوعات الوصفية ، التي تناولها شعراء العصر العباسي ، فالخمرة بأنواعها وآلاتها ، وندمانها وسقاتها لم تظفر من شعر « المرتضى » ، أو لم يظفر هو منها بنصيب ، والغناء بطرائقه وآلاته لم يجد في أذن « المرتضى » ما يحرك لسانه ، أو يبعث به إلى القول فيه ، والجواري والغلمان والقيان لم يهجن في « المرتضى » شجنا ، ولم يسحرن لبا ، والقصور والحدائق والرياض ، وأطايب الطعوم ونوافح الطيب خلت منها « بغداد شعر المرتضى » خلوا خيل إلي أن « المرتضى » يسكن في جدب من الأرض ، وخواء من القفار . وهكذا تعبر الديوان باجزائه الستة وليس لحضارة العباسيين عين ولا أثر . ولا أشك في أن باعث « المرتضى » على الزهد في تناول هذه الموضوعات - وهي في متناول يده وفي مدى خطوات من بيته - هو التحرج والتأثم والتزمت ، أو الترفع بنفسه ، وبمقامه الاجتماعي عن التدني إليها ، فليس لمن يشغل مقامه الديني والاجتماعي أن ينحدر إلى وصف الدنيا وزخرفها ، إلا بما يزهد فيها ، بله التحسين والتزيين لموبقاتها وآثامها . ولكن ديوان « المرتضى » على خلوه من تلك الموضوعات لم يعدم الشعر الوصفي ، إن لم يكن قد اشتمل على جانب كبير منه . فقد وصف الحج وطريقه بقصيدة لا أعهد في شعره نظيرا لها في دقة النسج ، وحسن السبك ،