حسن الأمين
29
مستدركات أعيان الشيعة
إلا أن الوباء فشافي العسكر حتى اضطر « آقا محمد خان » إلى الإيعاز إلى إخوته بترك الجنود المرضى في أمكنتهم والابتعاد بالجنود الأصحاء عن طهران . ففعلا . وقد مات أكثر المرضى من العسكر ونجح العلاج في قليل منهم . وكانت طهران في مجاعة لانقطاع الأغذية عنها بسبب الحصار . فلما ارتفع الحصار عنها بادر « غفور خان » حاكمها إلى فتح بواباتها لجلب الأغذية إليها . ولكن دخل إليها مع الأغذية الوباء أيضا . وكان من أوائل الذين أصيبوا به « غفور خان » فقضى [ نخبه ] نحبه ، فتولى مكانه ابن أخ له اسمه « محمد خان » . وهجر كل من استطاع المهاجرة من الطهرانيين بلدتهم . واستمر الوباء متفشيا فيها إلى سنة 1197 ه . الموافقة سنة 1782 م ، إذ حل فصل الخريف وبرد الهواء . وانقطع الوباء ، فعاد المهاجرون من طهران إليها . ولكن دهمهم الشتاء وثلوجه وهم غير مستعدين له بما اعتادوا الاستعداد به من الوقود ووقعوا من ذلك في مضيعة عظيمة . وهكذا أعجز الوباء « آقا محمد خان » عن الرجوع من « ششمه علي » إلى طهران واحتلالها . بعد انقضاء المرض كان الوقت المناسب لتجييش الجيش قد فات بسبب حلول فصل الشتاء . فترك « آقا محمد خان » محلة « ششمه علي » قاصدا مازندران على أن يعاود الهجوم على طهران لاحتلالها حين ارتفاع البرد واعتدال الهواء . أما « علي مراد خان زند » فحين بلغه نبا غزو « آقا محمد خان » وهو يحاصر شيراز ظل مطمئنا إلى اقتدار حاكمها من قبيلة « غفور خان » على المقاومة ورد المهاجم . وعزم على إنجاده بجيش قوي بعد الاستيلاء على شيراز . وبعد استيلائه عليها وقتله من قتل وإعمائه من أعمى عهد بحكومتها إلى أحد معتمديه وعاد منها إلى أصفهان . وإذ دهمه فصل الشتاء ببرده وثلوجه فقد تريث ينتظر فصل الدفء . فلما اعتدل الهواء سار بجيشه إلى طهران . وهناك أنعم على حاكمها « محمد خان » جزاء ما أبداه هو وعمه « غفور خان » من شجاعة وأقطع أبناء « غفور خان » أرضا في فارس ليكونوا بعيدين عن مجال حروب « آقا محمد خان » . وكانت خطة « علي مراد خان زند » الاستيلاء على « جيلان » و « مازندران » و « أسترآباد » وضمها إلى أقاليم ملكه . وكان ما ل « آقا محمد خان قاجار » هناك من قدرة يحول بينه وبين غايته هذه . وإلى هذا كانت الولايات المركزية التي في يده دائما معرضة لغارات « آقا محمد خان » . فقرر « علي مراد خان زند » القضاء عليه بالإغارة عليه من أكثر من ناحية واحدة . وأخذ يجمع حوله الناقمين على « آقا محمد خان » من الذين صادر أموالهم وألحق بهم الأذى في مختلف النواحي . وأوكل « علي مراد خان زند » إلى ابنه « الشيخ ويس » مهمة تدريبهم على الأعمال العسكرية . ثورة بسبب اللحى لما أمر « علي مراد خان زند » ابنه « الشيخ ويس » بتهيئة حملة يقوم بها على « آقا محمد خان » ذهب إلى « مازندران » لهذه الغاية . وكان الرجال في « مازندران » و « أسترآباد » ، بل النساء أيضا ، غاضبين على « آقا محمد خان » . وذلك لسبب قد يبدو لنا مضحكا لا أهمية له . ولكنه كان في تلك الأيام أمرا مهما . كان « آقا محمد خان » أمعط الوجه ، بلا لحية ولا شاربين ، إذ كان خصيا . وللحية يومئذ في إيران مقام كبير . ويعدون حلقها مثلة . ولذلك كان الرجال يطلقون لحاهم ويعتزون بها ويعدونها من مظاهر الرجولة والتفوق . بل كانت النساء يحتقرن الرجل حليق اللحية . والشبان المرد لا ينفكون يشتاقون الساعة التي تنبت فيها لحاهم لينتظموا في سلك الرجال . ولهذا كان « آقا محمد خان » يشعر بالحقارة والنقصان ، إذ هو لا له لحية ولا شاربان . وكان يرى ملاحين من الروس في ترددهم على سواحل الشمال من إيران وهم ينقلون البضائع التجارية المتبادلة على البواخر ، وهم حليقون بلا لحى ولا شوارب . فاستنتج من ذلك أن الروس لا يعدون فقدان اللحية والشاربين نقصا في الرجل يستلزم الاحتقار والسخرية ، كما هي الحال في إيران . فأراد « آقا محمد خان » أن يحمل الإيرانيين على اتباع هذا العرف ليصون نفسه من الاحتقار والسخرية . ويتساوى هو وغيره من الرجال في فقدان اللحية والشاربين . وقد سبق أن أقدم رجال الديوان الرسمي في عهد الشاه « عباس الأول » الصفوي وخلفائه على حلق لحاهم من غير أن يصبحوا لذلك موضع الاحتقار والسخرية . ولذلك أمر « آقا محمد خان » بان يحلق الرجال لحاهم ، مقتديا بما فعله « بطرس الأكبر » قيصر روسيا قبله بثمانين عاما . ولكن بفارق ، هو أن « بطرس » جعل حلق اللحى إجباريا ، أما « آقا محمد خان » فقد خير الرجال بين أن يحلقوا لحاهم وبين أن يؤدوا ضريبة عليها إذا أرادوا إطلاقها . وأمهلهم شهرين ليتخذ كل منهم قراره ، هل يحلق أو يؤدي الضريبة ؟ وجعل مقدار الضريبة متفاوتا على ستة مقادير ، بحسب حالة الرجل المالية . وأقلها كان الضريبة المفروضة على لحى القرويين . وكانت مقادير ثقيلة ، حتى ما فرض على القرويين كان فوق طاقتهم . وللخلاص من هذه المحنة لجا الرجال إلى رجال الدين وجعلوهم وسيلتهم إلى « آقا محمد خان » ليعفيهم من هذه الضريبة . فكتب هؤلاء إليه رسالة ذكروا فيها أن استيفاء هذه الضريبة غير جائز في الشرع ، وأن الله تعالى إنما فرض الزكاة على الأموال لا على أعضاء جسم الإنسان . ووصل « الشيخ ويس خان زند » ابن « علي مراد خان زند » إلى « مازندران » وشرع في تهيئة الحملة على « آقا محمد خان » حين كان جباة الضريبة الجديدة قد بدأوا عملهم . وكانت طريقتهم في الجباية أن يجلس بضعة رجال منهم في نقاط معينة من كل مدينة ، ويؤتى إليهم بكل رجل ملتح ، فيجبرونه على أداء ضريبة اللحية أو يحلقون لحيته إذا رفض أداءها . وكان الرجال يصعب عليهم أن توقع بهم مثلة الحلق ويصبحوا موضع احتقار نسائهم ، فيضطرون إلى تحميل أنفسهم فوق طاقتها بتأدية الضريبة أو استقراض المال إن كانوا معدمين لتأديتها . ثم يعطون إيصالا يثبت أنهم أدوا الضريبة . وضج الناس بالشكوى من « آقا محمد خان » واشتغلوا بالغضب