حسن الأمين

287

مستدركات أعيان الشيعة

وهي طويلة قبست منها موضع الحاجة . 4 - وقد رمي الشريف بالبخل في أحد المصادر القديمة وعنه نقلت المصادر المتأخرة ذلك . جاء في « عمدة الطالب » : « وكان المرتضى يبخل ، ولما مات خلف مالا كثيرا ، وخزانته اشتملت على ثمانين ألف مجلد ، ولم أسمع مثل ذلك . ( 1 ) . إن صفتي البخل والكرم يختلف فيها عرف عن عرف ، وليس لمدلولها حد معين وبخاصة فيما تعارف عليه العرب من تقدير الصفتين فان أريد بهذه العبارة اتهام الشريف بالتخلي عن واجباته الاجتماعية وبتقتيره على نفسه أو أسرته أو إخوانه في سبيل التوفر على جمع المال واختزانه فذلك ما لم يثبت من سيرته ، إذ قد عرف بالسعة فيما توجبه منزلته : من الظهور بمظهر الغنى والبسطة ، ومن إعطاء الجرايات الشهرية لأفاضل مدرسته وأصدقائه ، ومن حبسه قرية على كاغد الفقراء ، وإهدائه الهدايا الجسام لزعماء القبائل حين يجتاز البادية إلى مكة . وإن أريد بالبخل عدم الأخذ بأساليب الأجواد من كرام الأشراف الأمراء والخلفاء ، وذلك بالإنفاق في إسراف على الشعراء ، وبخلع الخلع للمادحين لهم وبالعطاء المتسع لكل مجتد وطالب ، حتى ينتقل الثري منهم - ما لم يكن وهابا نهابا - بين عشية وضحاها من غنى إلى فقر ، ومن ثراء إلى عدم ، فذلك ما كان الشريف حقا عليه . ولكن هذا ليس بالصفة التي يعاب بها رجل العلم والدين . لو كان الشريف من الأجواد لتسابق شعراء العصر إلى امتداحه ، ولتزاحموا على بابه ، ولديهم أكثر من سبب للقول فيه ، والتغني بامجاده ، ولكنهم كانوا نزري القول فيه على كثرة المناسبات . هذا « مهيار الديلمي » لم يحفل ديوانه الكبير بغير قصيدة واحدة في مدح الشريف ، والقصيدة نفسها - على ما احتوت من إطراء - لا تخلو من تثريب على التباطؤ عن إنجاز وعد كان الشريف وعده إياه ، بل هي قيلت تذكيرا بوعد لم ينجز : « أبا القاسم » استمتع بها نبوية تراجع عنها الناس فيما توغلوا محاسن إن سارت فقد سار كوكب بذكرك ، أو طارت فقد طار أجدل تحدت عنها الناطقون وأصبحت بها العيس تحدى والسوابق تصهل سما للعلى قوم سواك فلم تنل سماؤك ، حتما أن باعك أطول ألست من القوم استخفت سيوفهم رقاب عدا كانت على الموت تثقل ! تؤدي فروض الشعر - ما قيل فيكم - وفي الناس أما جازكم يتنفل نحمس من آثاركم وعلاكم وننسب من أحلامكم ونغزل لك الخير ! ظني في اعتلاقك عاذري فلا تتركن - يا حر - وعدك يعذل لعمري ! وبعض الريث خير مغبة ولكن حساب الناس لي فيك أعجل تتشبث بها أكرومة في إنها كتاب يوفى في يديك مسجل فوالله ما أدري ! هل الدهر عارف بفضلك إلهاما أم الدهر يغفل ؟ ( 2 ) ومن القصص الطريف الذي يراد به الدلالة على ذكاء المرتضى المفرط ، أو ذكاء من يكون طرفا ثانيا للمرتضى ، ولكنه بما يحاط به من تزيد أو مغالاة ، يحيله إلى ما يعود على خلق « المرتضى » بأذى وتخديش ، لو قبلناهما لتناقضا كثيرا مع الخلق المعروف عن الرجل ، ومع الظروف التي تلابسه . فقد روي أن « أبا العلاء » يوم ورد على « بغداد » كان ملازما لمجلسه وأنه - أعني أبا العلاء - كان يتعصب « للمتنبي » ، ويفضله على غيره من الشعراء ، على حين كان الشريف ينتقصه ، ويورد معايب في شعره ، فقال « المعري » يوما : لو لم يكن « للمتنبي » إلا قوله : لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت وهن منك أواهل لكفاه فضلا . فغضب المرتضى « وأمر بإخراجه من مجلسه ، وتزيد بعض الروايات على ذلك فتقول : فسحب برجله وأخرج ثم قال لمن حضر : أتدرون أي شيء أراد بذكر هذه القصيدة ، فان « للمتنبي » أجود منها ولم يذكرها . إنما أراد قوله : وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي باني كامل إننا ننكر هذا ، لأننا لم نشهد في كل ما كتب « أبو العلاء » تعريضا بالمرتضى ، ولا في جملة ما كتب « المرتضى » انتقاصا « لأبي العلاء » ، بل وجدنا غير ذلك . وجدنا أبا العلاء - الطريد في مجلس « الشريف » على زعم الأخباريين - بعد تسعة أعوام من عودته إلى المعرة لا ينسى فضل هذا البيت ، ولا فضل الشريفين خاصة ، فيبعث إليهما عند وفاة والدهما « أبي أحمد » مواسيا معزيا ، بقصيدة من غرر ما في ديوانه - سقط الزند - ، ولا يفوته أن يستطرد إلى مدح « المرتضى » وولده بما يدل على كرم شيم ، ونبل نفس ، وأن يستجد عذرا له مما قدم من شعره في التعزية هو دون أهل هذا البيت مقاما ومنزلة : أودى فليت الحادثات كفاف مال المسيف وعنبر المستاف الطاهر الآباء والأبناء والآراب والأثواب والآلاف ولقيت ربك فاسترد لك الهدى ما نالت الأيام بالإتلاف وسقاك أمواه الحياة مخلدا وكساك شرخ شبابك الأفواف أبقيت فينا كوكبين سناهما في الصبح والظلماء ليس بخافي قدرين في الارداء بل مطرين في الاجداء بل قمرين في الاسداف رزقا العلاء فأهل نجد كلما نطقا الفصاحة مثل أهل دياف ساوي « الرضى » « المرتضى » وتقاسما خطط العلى بتناصف وتصافي حلفا ندى سبقا وصلى المرضى فيا لثلاثة أحلاف « 3 » أنتم ذوو النسب القصير فطولكم باد على الكبراء والأشراف والراح إن قيل ابنة العنب اكتفت باب عن الأسماء والأوصاف « 4 » ما زاغ بيتكم الرفيع وإنما بالوجد أدركه خفي زحاف ويخال « موسى » « 5 » جدكم لجلاله في النفس صاحب « سورة الأعراف » يا مالكي سرح القريض أتتكما مني حمولة مستين عجاف لا تعرف الورق اللجين وإن تسل تخبر عن القلام والخذراف

--> ( 1 ) رياض العلماء ص 471 وروضات الجنات ترجمة المرتضى ( 2 ) ديوان مهيار الديلمي ج 3 ص 11 .