حسن الأمين

288

مستدركات أعيان الشيعة

وأنا الذي أهدى أقل بهارة حسنا لأحسن روضة مثناف أوضعت في طرق التشرف ساميا بكما ولم أسلك طريق العافي « 1 » وأدل من هذا كله على ما لأبي العلاء من إعجاب بالشريف ، وذكرى حسنة لأيام إقامته في بغداد ، لم تنقص باذلال وإهانة ما روي من أن أبا العلاء سئل عن « المرتضى » بعد عودته من العراق فقال : يا سائلي عنه فيما جئت تسأله ألا هو الرجل العاري من العار لو جئته لرأيت الناس في رجل والدهر في ساعة والأرض في دار « 2 » ومما يتصل بذكاء المرتضى أو بإلحاد أبي العلاء - في نظر من يذهب إلى أنه من الملاحدة - ما يروى : اعترض « المعري » يوما على المرتضى بمجلسه ببغداد في حد السارق المقرر في الشريعة فأنشأ يقول - بمقتضى إلحاده - : يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت يوما بدينار تناقض ما لنا إلا السكوت له وأن نعوذ بمولانا من النار فأجابه المرتضى على الفور : عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فانظر حكمة الباري « 3 » ومما يورد في كتب التوحيد أو في ترجمة « أبي العلاء » للتدليل على كفره وإلحاده ما ورد في كتاب الاحتجاج للطبرسي رواية عن الشيخ سليمان الصهرشتي : دخل أبو العلاء على السيد المرتضى فقال أيها السيد : ما قولك في الكل ؟ قال السيد : ما قولك في الجزء ؟ فقال ما قولك في الشعرى ؟ فقال السيد : ما قولك في التدوير ؟ فقال ما قولك في عدم الانتهاء ؟ فقال السيد : ما قولك في التحير والناعورة ؟ فقال ما قولك في السبع ؟ فقال السيد : ما قولك في الزائد البري على السبع ؟ فقال ما قولك في الأربع ؟ فقال السيد : ما قولك في الواحد والاثنين ؟ فقال ما قولك في المؤثر ؟ فقال السيد : ما قولك في المؤثرات ؟ فقال ما قولك في النحسين ؟ فقال السيد : ما قولك في السعدين ؟ فبهت أبو العلاء فقال المرتضى : ألا كل ملحد ملهد ، فقال أبو العلاء من أين أخذته ؟ قال « المرتضى » من كتاب الله عز وجل : * ( ( يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) ) * . ثم قام وخرج فقال السيد : قد غاب عنا الرجل وبعد هذا لا يرانا . فسئل السيد عن شرح هذه [ الرومز ] الرموز فقال : سألني عن الكل وعنده الكل قديم ، و [ بشير ] يشير بذلك إلى عالم سماه العالم الكبير ، فقال : ما قولك في ذلك ؟ فأجبته عن ذلك وقلت : ما قولك في الجزء ؟ لأن الجزء عندهم محدث وهو المتولد عن العالم الكبير ، وهذا الجزء هو العالم الصغير عندهم ، فكان مرادي بذلك : إنه إذا صح أن هذا العالم محدث ، فذاك الذي أشار إليه إن صح فهو محدث أيضا ، لأن هذا من جنسه على زعمه ، والشيء الواحد واحد ، والجنس الواحد واحد لا يكون بعضه قديما وبعضه محدثا . فسكت . أما الشعرى أراد أنها ليست من السيارة ، فقلت له : ما قولك في التدوير ؟ أردت أن الفلك في التدوير والدوران بالشعرى . وأما عدم الانتهاء أراد بذلك أن العالم لا ينتهي لأنه قديم ، فقلت له : قد صح عندي التحير والتدوير ، وكلاهما يدلان على الانتهاء . وأما السبع ، أراد بها السيارات التي هي عندهم ذوات الأحكام ، فقلت له : هذا باطل بالزائد البري الذي لا يكون منوطا بهذه السبع . وأما الأربع أراد بها الطبائع ، فقلت له : ما قولك في الطبيعة الواحدة النارية ، يتولد منها دابة بجلدها تمس الأيدي ، ثم يطرح ذلك الجلد على النار فتحرق الزهومات ويبقى هو صحيحا ، لأن الدابة خلقها الله على طبيعة النار ، والنار لا تحرق النار ، والبلح أيضا يتولد منه الديدان وهو على طبيعة واحدة ، والماء في البحر على طبيعتين يتولد منه السموك والضفادع والحيات والسلاحف وغيرها . وعنده لا يحصل الحيوان إلا بالأربع . وأما المؤثر ، أراد به زحل ، فقلت : ما قولك في المؤثرات ، أردت بذلك أن كلهن عنده مؤثرات ، فالمؤثر القديم كيف يكون مؤثرا . وأما النحسان ، أراد أنهما من السيارة إذا اجتمعا يخرج من بينهما سعد ، فقلت له : ما قولك في السعدين إذا اجتمعا يخرج من بينهما نحس . هذا حكم أبطله الله ، ليعلم الناظر أن الأحكام لا تتعلق بالمسخرات ، لأن المشاهد يشهد على أن العسل والسكر إذا اجتمعا لا يحصل منهما الحنظل ، والحنظل والعلقم إذا اجتمعا لا يحصل منهما الدبس والسكر . هذا دليل على بطلان قولهم . وأما قولي ألا كل ملحد ملهد ، أردت أن كل مشرك ظالم ، لأن في اللغة ألحد الرجل : إذا عدل عن الدين ، وألهد : إذا ظلم ، فعلم « أبو العلاء » ذلك ، واستخبرني عن علمي به ، فقرأت الآية . ( 1 ) هذه المحاورة سيقت للتدليل على إلحاد « أبي العلاء » في ضمن الكتب الكلامية المعنية بهذه القضايا ، ومع أنه لا يوجد ما يمنع من وقوع هذه المحاورة لمشاركة الرجلين في الدراسات الفلكية ( 2 ) ولأن الحوار جرى فيها بأسلوب مهذب ، لكنني غير مطمئن إلى صحة نسبتها ، لأنها لم ترد ضمن فهرست كتبه الذي احتوى مؤلفاته جميعا وبخاصة ما ألفه قبل تاريخ إجازة الفهرست وهذا منها . ومن الطرائف التي تساق في كتب الأدب :

--> ( 1 ) روضات الجنات ج 1 ص 74 ط إيران نقلا عن كتاب الاحتجاج للطبرسي ، ومجموعة آغا بزرك المخطوطة ص 31 رواية عن الشيخ سليمان الصهرشتي ، ورياض العلماء مخطوط ص 473 ومن المقارنة بين النسخ ظهر لي بعض الاختلاف في النص . ( 2 ) كان من بين معارف المرتضى علم الفلك ، وكان يحضر درسه في هذا الفن عدد من غير المسلمين . انظر « رياض العلماء » ص 413 نقلا عن خط الشيخ البهائي عن خط « الشهيد » .