حسن الأمين
261
مستدركات أعيان الشيعة
ولكن رياح الغرب عادت تدفع أمامها رياح الشرق ، والقوة المحركة هي العلم الذي تنبه له الأوروبيون في نهضتهم نحو التجديد والخروج من الفكر الآسن في العصور الوسطى ، بينما أشاح العثمانيون أنظارهم عنه وأغرقوا أنفسهم في الجمود ، بعد أن ظلوا لحين ركنا بارزا في المعادلة الدولية ، تلك التي أرستها مجموعة من المعاهدات ، كانت فاتحتها المعاهدة الشهيرة بين سليمان القانوني وفرنسوا الأول ملك فرنسا ( 1535 ) ، وما لبثت دول أوروبية أخرى أن حظيت بمثلها ، كبريطانية ( 1 ) وهولندة واسبانية فضلا عن الجمهوريات الإيطالية . وإذا كانت هذه المعاهدات ، لا سيما الأولى قد حققت توازنا لمصلحة دولة بني عثمان ، في وقت كانت الجبهة الأوروبية مفككة ومنطوية على صراع حاد ، فان هذه المعاهدات ، ما لبثت أن تحولت مع الوقت إلى امتيازات ، ( 2 ) أخلت إلى حد كبير بالتوازن الدولي الذي لم يستطع العثمانيون تعديله فيما بعد ، وأودى في النهاية بامبراطوريتهم في الحرب العالمية الأولى . على أن اختلال المعادلة الدولية بدلا من أن يحدث تماسكا في جبهة العثمانيين ، انعكس أيضا على العلاقة مع العرب الذين أثار انتباههم ما كان يجري في أوروبا من نهضة علمية ونمو في التيار القومي الذي كانت أخطاره واضحة على الدولة العثمانية المتراجعة ، دون أن تعبا الأخيرة بهواجس العرب ، ( 3 ) أو تحاول الإفادة من طاقتهم في مواجهة الخطر الأوروبي وإشراكهم بالتالي في القرارات المصيرية التي كانت تتخذها بمعزل عنهم . ولا شك أن هذا التباعد بين العرب والعثمانيين في ذلك الوقت ، كان نابعا مع اختلال أساسي في العلاقة بين الطرفين ، إذ أن مبدأ المشاركة كان مفقودا منذ البدء ، حين رأى العثمانيون في العرب مجرد رعايا محكومة ، ( 4 ) شان الشعوب الأخرى التي خضعت لهم ، الأمر الذي عكس مرارة في نفوسهم ، لا سيما وأنهم أصحاب تراث حضاري ، ينهل منه العثمانيون وليس العكس ، ولعل هذه المسألة غير خاضعة لزمان ما ، وربما تجاوزت العلاقة بين العرب والعثمانيين ، إلى العلاقة مع أشكال أخرى من السلطة ، أو تيارات سياسية ما طمحت كلتاهما إلى احتواء العرب ، ولكن أن تكبح في نفوسهم الشعور بأنهم أصحاب ذلك الرصيد ، مما كان يؤدي دائما إلى خلل في العلاقة بين العرب والأنظمة المتعاقبة تحت راية الإسلام ومن ثم إلى طعن في شرعيتها التي رأوا أنها شرعيتهم في الأساس . ومن الطبيعي أن يتمخض ذلك عن محصلات خطيرة ، كان في مقدمتها انعدام الثقة بين العرب والعثمانيين وشعور كليهما بان الآخر بات عبئا عليه ، خصوصا من جانب العرب الذين وجدوا في سياسة العثمانيين الأوروبية ما يهدد وجودهم وينعكس خطرا على أقطارهم التي تعاطت معها ، دول أوروبا على أنها إقطاعيات عثمانية . ومن هذا المنظور ، ترافق الانكفاء العثماني عن بعض الأقطار العربية أمام الضغط الأوروبي مع عملية إحياء الإسلام العربي - إذا جاز التعبير - مترافقا ذلك أيضا مع تصاعد الشعور بالخطر إزاء هذا الضغط المستمر . ( 5 ) ولعل هذه المسألة شكلت بداية الشكوك وانعدام الثقة بين العرب والعثمانيين إذ أن التوسع الأوروبي برأي « ليفين » كان يتطابق في وعي العرب مع الصراع الأزلي بين الغرب المسيحي والشرق المسلم « . ( 6 ) هذا الواقع الجديد اتخذ عدة أشكال ، ربما اختلف في تقويمها أو تفاوت الاجتهاد في تعبيراتها القومية ، ولكن توقيتها مع انكفاء دولة بني عثمان أمام الغرب ، وازدياد أطماع الأخير في الأقطار العربية التابعة لها بصورة مباشرة أم غير مباشرة ، لا ينفصل عن هذا الواقع وما رافقه من طرح على الأقل للمسألة العربية . أما حركة محمد علي ، فالراجح بداية أنها لم تكن تنطوي على مشروع أيديولوجي واضح ، سوى أن الشعور بقوته وما قابل ذلك من تدهور مستمر في الدولة العثمانية قد دفعا صاحبها إلى تحدي الأخيرة وبناء دولة على أنقاضها ، وهو شعور أفصح عنه لمستشاره العسكري « بوابييه » ( 1825 ) بقوله : « إني مدرك أن إمبراطورية بني عثمان ماضية قدما إلى هلاكها وأن يوما سيأتي حيث يستعصي علي أمر إنقاذها ، فلا مغنم لي ولا فائدة في أن أغامر بامكاناتي ووسائلي في سبيل أمر مستحيل ، ولكن سأقيم على أنقاضها مملكة واسعة ، وأنا أملك كل ما يلزم لتحقيق هذه الغاية ( 7 ) ولعل محمد علي بعد انتصاره المذهل على الدولة العثمانية وامتداد نفوذه إلى تخومها شاملا أقطار المشرق العربي ، ربما أدى إلى بلورة مشروع قومي في ذهنه ، مستثمرا التناقض العربي - التركي ، الآخذ في الاتساع في ذلك الحين : ولا شك أن محمد علي أحدث هزة عميقة لدى العرب ، المستسلمين حين ذاك للسلطنة العثمانية ، في تركيزه على استغلالها لهم ، ومطالبته بان يكون لهم حق المشاركة في السلطة ، وهو موقف بلغ ذروته في القول المنسوب لابنه إبراهيم إبان حملته الشهيرة ، بأنه سيصل إلى حدود البلاد التي يتكلم فيها الناس ويتفاهمون باللسان العربي . ( 8 ) وهكذا فان حركة محمد علي وجهت ضربة عنيفة للسلطنة العثمانية ، محدثة نتائجها المزدوجة على الصعيدين الأوروبي والعربي في آن . فقد عكست حالة من الوهن لم يتوقعها الغرب بمثل هذه السرعة في جسم السلطنة ، وجعلت « الرجل المريض - وهو الاسم الذي أطلقه عليها القيصر الروسي - غير قابل للشفاء في ذلك الحين . أما بالنسبة للعرب ، فقد كان تأثيرها بالغ الأهمية مقترنا بالبداية الفعلية لما سمي ب » النهضة العربية « ، وما جسدته تجربة محمد علي من نموذج لمشروع مستقبلي بدا ممكنا خارج إطار الدولة العثمانية ، في الوقت الذي أطل العرب من خلال هذه التجربة على الفكر الأوروبي الحديث ، مما سيؤدي إلى تعميمها وانتشار حركات استقلالية في أعقابها ، على نحو لم يعد للعثمانيين من سلطة فعلية ، سوى ما كان يرتبط بجباية الضرائب ، وعدا ذلك فان ما بقي من هيبة لهذه السلطة كان يشكل في الوقت نفسه قلقا للعرب الذين أدركوا خطورة هذا الواقع وما يترتب على ذلك من أوضاع تطال مصيرهم وتهدده . على أن أحدا لا يمكنه التأكيد ، بان فكرة الاستقلال التام ، كانت واضحة حين ذاك لدى العرب وإن كانت تراودهم كالحلم أو يهمسون بها في
--> ( 1 ) منيرو عادل إسماعيل ، الصراع الدولي حول المشرق العربي ، ص 12 - 15 . ( 2 ) منيرو عادل إسماعيل ، الصراع الدولي حول المشرق العربي ، ص 15 - 16 . ( 3 ) JeaN Raymond , ibid ( 4 ) 34 JeaN Raymond , op . cit , p ( 5 ) 9 . TuriquiE T . III , Note De Bouree , consul DE France A Beyrouth A Guizat . ministre Des AFFaireS etrangeres , citE par MouniR IsmaiL , LE LibaN sur Les MutasarrifiS P ( 6 ) الفكر الاجتماعي ص 133 ( 7 ) منيرو عادل إسماعيل ، الصراع الدولي حول المشرق العربي ، ص 34 . ( 8 ) منيرو عادل إسماعيل ، الصراع الدولي حول المشرق العربي ، ص 36 .