حسن الأمين
262
مستدركات أعيان الشيعة
الخفاء ، كما أن أحدا لا يجزم بان عملية الطلاق التي أخذت تتبلور بعد ذلك كان مسؤولا عنها العرب الذين ظلوا برغم هواجس الانفصال وبوادر اليقظة القومية أوفياء لهذه الدولة أو على الأقل للرمز الذي تمثله ومتشبثين بها من هذا المنظور كقوة وحيدة ، ينعقد عليها الأمر ، ولو ضعيفا ، لمواجهة الأطماع الأوروبية . وقد انطلقت من هذه الحقيقة ، كما أرى فكرة « الجامعة الإسلامية » التي وجد روادها أن الحل يبقى في تقوية السلطنة العثمانية ليس إيمانا بالمطلق بدورها الإسلامي الذي خبا إلى حد كبير ، ولكن تعبيرا واقعيا عن المرحلة وتحدياتها الخطيرة . ولعل هذا الموقف الايجابي من جانب العرب ومحاولة تكريس شرعية السلطنة عبر الجامعة الإسلامية التي استهوت لحين السلطان عبد الحميد ( 1 ) ووجد فيها ما يعزز نفوذه السياسي إزاء المعارضة في الداخل ، فضلا عن التصدي للأطماع الأوروبية في الخارج ، قد أسهم في تعاطف هذا السلطان مع العرب الذين وصل بعضهم لأول مرة إلى مناصب عليا في الدولة ، ( 2 ) ولكن حافز السلطان لم يكن بريئا ، بقدر ما كان لمشاعر القلق ، سواء من المعارضة أو من الأطماع البريطانية بالذات ، تأثير أساسي في هذا التودد للعرب والاحتضان للجامعة الإسلامية ، ومن ثم دعوة « مهندسها » جمال الدين الأفغاني إلى الآستانة . ( 3 ) ولكن السلطان الذي كان ينزع نزوعا شديدا نحو الاستبداد ، لم يكن مؤهلا لإعادة النظر في السياسة العثمانية بشكل جذري ، يؤدي إلى تشكيل جبهة متماسكة ، يتسع المجال للعرب بدور هام فيها . ذلك أن سياسته التي حققت له الاحتفاظ وقتا طويلا بالسلطة ، لم تستطع منع المعارضة في النهاية من تثبيت أقدامها والانقضاض على السلطة « الحديدى » ، دون أن تنجو من حركتها الجامعة الإسلامية ، فضلا عن الفكرة العثمانية بمحتواها الامبراطوري ، لتسود على أنقاضها الفكرة الطورانية ، الداعية إلى دولة تركية صافية من العناصر الأخرى ، متكرسا ذلك في المؤتمر السري الذي عقده الاتحاديون في ظل جو من العداء المفرط للعرب ( 4 ) وهكذا فان دعاة الجامعة الإسلامية العرب ، أو من عاصرتهم تلك الأحداث ، لم يتخلوا عن مشروعهم الداعم لسلطنة بني عثمان ، وإنما القيادات المتطرفة للأخيرة هي التي خرجت عن سابق تصميم منه ، وأخذت في الابتعاد عن كل ما له علاقة سياسية أو ثقافية بالعرب ، بما في ذلك الإسلام الذي ابتعدت عنه الطورانية إلى حد كبير ، بعد محاولة التطبيع الظاهرة مع الحضارة الأوروبية ، والانحراف عن تاريخ دولتها المتداخل عضويا مع الإسلام وحضارة العرب . وكان أول المتأثرين بهذه المتغيرات ، الاصلاحيون العرب محدثة في صفوفهم ارتباكا شديدا ، فضلا عن المعاناة التي تجسدت في أزمتين اثنتين ، وهما : مسألة الانتماء القومي ، والعلاقة الدينية بالعثمانيين عبر الخلافة ، ونتيجة لذلك ، كان الافتراق عن الدولة العثمانية أو الكثير منه ، مسوغا لدى هؤلاء الاصلاحيين بان الأخيرة قد تخلت عنهم وحادت عن القيم التي ناضلوا في سبيلها ، والتي كانت تصب في مصلحتها في المقام الأول . وإذا كان هؤلاء الاصلاحيون ومعهم آخرون ليسوا بالضرورة مسلمين ، قد وجدوا السبيل للخلاص في صيغ توفيقية ، تكرس القيادة للعثمانيين ، مع إعطاء العرب دور فاعل في الدولة ، فان ذلك كان أقصى ما يمكن لهؤلاء المجاهرة به ، أبان فترة كان عنوانها الاستبداد وتضيق بأبسط أشكال المعارضة ولعل وجود جمال الدين الأفغاني ، وهو مفكر غير عربي ، على رأس تلك الحركة الاصلاحية ، قد جعل للأخيرة مضمونا توفيقيا أكثر منه جذريا ، على النحو الذي ظهرت ملامحه المبكرة في جمعية بيروت السرية وفروعها الثلاثة . ( 5 ) ولكن هذه الجمعية ، برغم ريادتها في طرح المسألة القومية ، خالصة من أية صبغة دينية ( 6 ) فان تأثيرها ظل محدودا ولم يتجاوز النطاق النخبوي ، حيث انتشر فكرها بين طلاب الكلية البروتستنية بوجه خاص ، في وقت كانت مصر تخطف الضوء وتستقطب حركة الإصلاح ودعاتها بمن فيهم دعاة العلمانية . ومن هذا المنظور ، وعبر هذا التمهيد المسهب ، نعود إلى قراءة الدور الذي شغله عبد الرحمن الكواكبي في الحركة السياسية كرائد في الفكر القومي ، لما يزل ملتبسا ومحتاجا لمثل هذه القراءة ، لوضعه في الموقع والإطار المناسبين ، والكواكبي هو أحد هؤلاء النهضويين ( الاصلاحيين ) الذين وأكبوا معا أو في وقت متقارب منعطفا شديد الأهمية في التاريخ العربي الحديث ، وهي ليست مصادفة أن ترهص الأحداث الكبيرة على مفترق القرنين ، بكوكبة من المفكرين متأثرا بعضهم بالآخر أو مكملا له ، إذ أن المرحلة تتفجر أحيانا بركامها كما البر كان يندلع بعد انحباس طويل ، دون أن تكون المسائل أو الأطروحات موحدة بالضرورة ، وإنما المرحلة بتحدياتها تقارب بينها وتفرض صيغا ملائمة لها . ولقد وصفه « ليفين » بأنه مفكر سياسي مفعم بكراهية الاستبداد ، ( 7 ) كما وصفه « أنطونيوس » بأنه « كان يكره أشد الكره التعصب والظلم ، ( 8 ) ولعل في هذا التقويم ما هو جدير كمدخل إلى عالم الكواكبي ، ودراسته كمفكر قومي لم يكتب عنه في هذا المجال سوى القليل وفي سياق عرضي فقط ، ولسنا معنيين بالتوغل هنا فيما يتعدى هذه المسألة وسوى مالة علاقة بتكوين فكره السياسي والمؤثرات الأولى في بناء شخصيته ، فقد كان مصيبا كل من المؤرخين السابقين في ما ذهبا إليه عن كراهيته للظلم وتعاطفه مع الفقراء ( 9 ) حيث كانت نشأته في مدينة ( حلب ) ربما عانت أكثر من غيرها استبداد السلطان عبد الحميد وضغط الزمرة المتصلة به ( أبو الهدى الهادي وأعوانه ) فكان له من ذلك نصيب أودى به إلى السجن ، ومن ثم إلى الخروج من مدينته التي تقلد فيها عدة أدوار ما بين الصحافة ( 10 ) والمحاماة والوظيفة ، ملتحقا بالرعبل « الشامي » الذي سبقه إلى مصر ، ( 11 ) يدفعه إليها قسط من الحرية تمتعت به على عهد [ الخدبوي ] الخديوي عباس الثاني . ( 12 )
--> ( 1 ) سليمان موسى ، الحركة العربية ، ص 24 . ( 2 ) عبد العزيز الدوري ، التكوين التاريخي للأمة العربية ، ص 164 . ( 3 ) الدوري ، المرجع السابق ، ص 164 . ( 4 ) عقد المؤتمر عام 1911 ، محمد جابر آل صفا ، تاريخ جبل عامل ، ص 185 . ( 5 ) في دمشق وطرابلس وصيدا ، جورج أنطونيوس ، يقظة العرب ، ص 149 - 150 . ( 6 ) الفكر الاجتماعي ، ص 149 . ( 7 ) المرجع نفسه ، ص 160 . ( 8 ) يقظة العرب ، ص 169 . ( 9 ) المرجع السابق ، ص 169 . ( 10 ) سليمان موسى ، الحركة العربية ، ص 24 . ( 11 ) أنطونيوس ، ص 169 ، سليمان موسى ، ص 22 . ( 12 ) الكواكبي ، طبائع الاستبداد ، ص 5 .