حسن الأمين
231
مستدركات أعيان الشيعة
الأئمة تنبأ له بالسعد والإقبال ، وقدر أن مدة ملكه لن تقل عن أربع وعشرين سنة تنقضي بالسعادة والطمأنينة . وقد بعثت هذه التنبؤات السرور والأمل في تلك الأمة التي نهكتها كثرة الفتن والثورات والانقلابات ، فهي تتطلع متحسرة إلى حكومة ثابتة موحدة . وبعث أنصار « شاه رخ ميرزا » بالسر رسائل إلى ضباط « إبراهيم شاه » المعتبرين يستطلعون رأيهم لعلهم يستميلونهم إلى جماعتهم . فجاءتهم الأجوبة موافقة طبق مرامهم . وأخذ ضباط كل من الجيشين ، بعد تواطئهم على نصرة « شاه رخ ميرزا » ، يحرض أميره من الشاهدين المتنازعين على محاربة خصمه ، حتى خرج « شاه رخ ميرزا » في سنة 1163 هبجيش من مشهد قاصدا أذربيجان . فلما وصل إلى حدود إيالة خراسان كان « إبراهيم شاه » قد وصل أيضا إليها قاصدا محاربة « شاه رخ ميرزا » . وكانت نتيجة الحرب مقدرة قبل وقوعها . فأطلقت بضع رصاصات معلنة بدء حرب لم تقع . واقتدى عسكر « إبراهيم شاه » بضباطهم في الالتحاق بجيش العدو . وهكذا انتصر « شاه رخ ميرزا » على منافسه . ثم أمر بتعقيب « إبراهيم شاه » المغلوب ، فلم يلبثوا أن جاؤه برأسه . وجاؤا معه أيضا بأخيه الضرير المنكود الحظ « عادل شاه » ، إذ كان « إبراهيم شاه » يصحبه معه أينما ذهب ، فأرسلوه إلى مشهد . وكان المخلصون مريد والخير والصلاح ل « شاه رخ » يصرون عليه بتعجيل القدوم إلى أصفهان ليحظى بتجليل العاصمة وتكريمها ، والاصفهانيون ينتظرون قدومه بصبر نافد . وكانت لهفتهم هذه تشعر بان عموم إيران تعلن التبعية له والانقياد إليه . وكان هو أيضا يرى أن المصلحة تقضي بذهابه إلى أصفهان . إلا أن أشراف خراسان وأعيانها ، وقد أصبح « شاه رخ ميرزا » مالك العرش والتاج بفضلهم ، كانوا يشتهون أن يبقى في مشهد ، أو ، على الأقل ، أن لا يغادر خراسان إلى أن يحصل على الاعتراف به رسميا على إيران من قبل إحدى الدول المجاورة . وبقي « شاه رخ » في مشهد على خلاف رأيه وخلاف رأي المخلصين من رجاله وضحى بمصلحته بارتكابه هذا الخطا لارضاء ذلك الفريق من الناس . فلم يلبث ، ولما يمض بعد خمسة أشهر على تمتعه بالملك ، أن تشكلت في مدينة مشهد نفسها حيث كان الناس يحبونه ، فرقة تناهضه وتناقضه . كان المطالبون بالعرش الذين يحسب لهم حساب قد قضي عليهم . ولم يبق معارض ل « شاه رخ » يعتد به . إلى أن قامت هذه المعارضة . قام بها متولي المقام الرضوي في مشهد . واسمه السيد محمد . وهو سبط الشاه سليمان الصفوي وصهر الشاه سلطان حسين الصفوي ، وكان يرى أن عرش إيران حق للصفويين . ومن جملة الوسائل التي تذرع بها لتحريض الناس على « شاه رخ » أن اتباعه أشاعوا أن حفيد نادر شاه هذا يريد تجديد مساعي جده في تغيير مذهب الإيرانيين بإخراجهم من التشيع إلى التسنن . ( 1 ) هذا وللتشيع عند الإيرانيين منزلة سامية . واستطاع بهذه الوسيلة أن يجمع حوله أنصارا . وتغلب على جيش بعث به « شاه رخ » لاخضاعه ، وقاده بنفسه ، وأسر « شاه رخ » فأعمى عينيه وسجنه وجلس على العرش وتسمى باسم « الشاه سليمان الثاني » في سنة 1163 ه ، ولما يمض على ملك « شاه رخ » غير سنة وبعض السنة . إلا أن دولة « الشاه سليمان الثاني » لم تطل أيامها أكثر من أربعين يوما . فقد ثار عليه المشهديون وأمدهم بالعون « يوسف علي بيك [ جلابر ] جلاير » أحد الرؤساء من أنصار « شاه رخ شاه » فأخذوه وأعموا عينيه وسجنوه مع ولدين له ، وأعادوا الشاه الضرير المخلوع إلى العرش وجاؤا بكل نطاسي من الأطباء لمعاينة عينيه ومعالجتهما . فطمانهم الأطباء إلى أن تلك القوة التي حفظته من سم « عادل شاه » ستحفظه من ظلم هذا السيد العاصي ، وأن إحدى عينيه ، على الأقل ، ستشفى . وأذاع أنصاره في كل الولايات إعلاما بالقبض على الخائن ومجازاته وإعادة « شاه رخ » إلى منصبه وبشرى بحصول الشفاء له عن قريب . فأقيمت معالم الفرح والابتهاج في كل مدينة ، ولا سيما أصفهان ، وقد أخذها الزهو والاعتزاز بأنها ستحطى عن قريب بزيارة الشاه لها واتخاذه لها عاصمة لملكه ومحلا لاقامته . ولكن تلك الأماني خابت فقد كان الأطباء مخطئين في تشخيصهم ، وظلت باصرة « شاه رخ شاه » مظلمة إلى الأبد . وضجر هو من تتابع هذه الأحداث وأراد اعتزال الملك . ولكن أنصاره لم يمكنوه من ذلك . وكان « أحمد شاه السدوزائي » ( 2 ) ملك أفغانستان قد اغتنم فرصة الفتن التي وقعت فيها إيران سنة 1163 ه ، فسار إلى خراسان متذرعا بحجة الدفاع عن « شاه رخ شاه » حفيد ولي نعمته ، واحتل « هرات » إحدى مدن خراسان الأربع وقتل حاكمها . ثم أرسل أحد قواده مع خمسة آلاف فارس إلى مشهد لاحتلالها ، فقاومه جند خراسان وردوه . فاضطر « أحمد شاه » إلى تسيير جيش آخر قاده بنفسه إليها ، ففتحها بعد مقاومة شديدة ، وتصالح الفريقان ، واعترف « أحمد شاه » بسلطنة « شاه رخ شاه » وجعل من نفسه حاميا له . ( 3 ) وملك « شاه رخ شاه » الضرير في خراسان إلى أواخر سنة 1210 ه . ولم يتعرض له « كريم خان زند » ( 4 ) ولا أحد من خلفائه بسوء ، رعاية منهم لحقوق جده نادر شاه ، بل كانوا أحيانا يعينونه بشتى أنواع المساعدة .
--> ( 1 ) قيل هذا القول في نادر شاه إذ كان يسعى سعيا جادا إلى اتحاد السنة والشيعة ورفع ما بينهما من أمور تسبب القطيعة والجفاء . ( 2 ) كلمة « سدوزائي » منحوتة من « أسد الله زاده » . وهي اسم إحدى شعب قبيلة « أبدالي » - وتدعى أيضا « دراني » - . وهذه القبيلة هي وقبيلة « غليجائي » تعدان أكبر قبائل أفغانستان . و « أحمد شاه » هذا من رؤساء الأفاغنة ومن رجال « نادر شاه أفشار » وأرباء نعمته . ظل بعد مقتل نادر وانقلاب الناس عليه وفيا له وقام ، ومعه عشرة آلاف من الأزابكة والأفاغنة ، مطالبا بثاره . ولكنه لم يقدر أن يصنع شيئا . فعاد بهم إلى « قندهار » ، وهناك نادى بنفسه شاها ، وجمع ما في يده من أرض وبلاد تحت عنوان دولة واحدة سماها « أفغانستان » . وتوارثت أسرته الملك عليها من بعده مدة 94 عاما ، من سنة 1160 هإلى سنة 1254 ه ، إذ خلفتها أسرة « محمد زائي » ، وهي أيضا شعبة من قبيلة « أبدالي » . وظلت تحكم أفغانستان إلى الانقلاب الجمهوري سنة 1973 م هذا الانقلاب الذي قام به أحد أفراد الأسرة ، فالانقلاب اليساري سنة 1978 م . ( 3 ) توفي « أحمد شاه » هذا سنة 1186 هفي عاصمته « قندهار » . ( 4 ) شاه إيران من سنة 1172 هإلى سنة 1193 ه . حكمت أسرته من سنة 1172 هإلى سنة 1209 ه ، وكانت عاصمتهم شيراز .