حسن الأمين
222
مستدركات أعيان الشيعة
الحكومية . ثم انتمى إلى كلية الحقوق وتخرج منها فعين مديرا لناحية ( الجربوعية ) ، ثم تنقل في عدة مديريات إلى أن استقال سنة 1928 وعمل في المحاماة . وفي سنة 1930 انتخب نائبا فظل ينتخب في المجلس النيابي حتى سنة 1936 ثم عين مفتشا إداريا حتى سنة 1939 حيث عين متصرفا للواء الحلة ، وتنقل في عدة ألوية حتى سنة 1944 حيث استقال وعاد إلى المجلس النيابي في الأول من كانون الأول سنة 1944 وفي 23 شباط سنة 1946 صار وزيرا للداخلية . كان حيث حل في عمله الإداري ( متصرفا ) يرتفع بالوضعين الاجتماعي والعمراني إلى أعلى ما يمكن من درجات الارتفاع ولقد شهدت بنفسي حينما كنت بالعراق وجاء مدينة الحلة كيف طور أوضاع المدينة فشق الشوارع وأنشأ الجسور ونهض بالعمران وأقام الحدائق المعلقة إلى غير ذلك مما يتعلق بعمله . وعند ما كان ( متصرفا ) في لواء المنتفك هدد الفيضان المنطقة بكارثة ماحقة وقد عمل هو بحكم منصبه على الحئول دون وقوع هذه الكارثة . واستطاع بما اتخذه من تدابير وما بذله من جهود أن ينجح في ذلك ، ونجت المنطقة من الكارثة الفيضانية المدمرة . فرأى فريق من أبناء بلدة سوق الشيوخ أن يقدموا له هدية رمزية هي عبارة عن قنطرة فضية ضمن إطار فيه صورته وتحت الصورة هذه الأبيات من نظم الشيخ محمد حسن حيدر من أفاضل سوق الشيوخ : عليك ( لواء ) الحمد شكرا يرفرف لأنك في دنيا العلى ( متصرف ) بحزمك كافحت الحوادث وانجلى عن الشعب ليل بالكوارث مسدف وقفت أمام الخطب سدا ممنعا وذا موقف أني يحاكيه موقف فلله أيام عليك عصيبة تهدد آمالا لنا وتخوف طغى الماء فيها والسدود ضعيفة وهمة أرباب المزارع أضعف فقاومته حتى تثني عنانه وكافحته حتى انتهى وهو اعجف فيا سعد ما زالت خطاك سديدة وما زالت الآمال باسمك تهتف بك الزرع لاقى من يرق لحاله ولم ير قبلا من يرق ويعطف أتاك به ( سوق الشيوخ ) مكرما جهادك في رمز عن الحب يكشف يقدمه ذكرى لموقفك الذي سيبقى مدى الأجيال وهو مشرف وعند ما تخلى عن العمل الإداري بعد أن بلغ أعلى مناصبه ودخل المعترك السياسي وانتخب نائبا في المجلس النيابي كان ذلك فتحا جديدا في هذا المجلس بمعارضته وخطبه الفريدة التي لم يعهد مثلها المجلس من قبل إذ كان سعد أديبا موهوب وخطيبا مفرها قبل أن يكون سياسيا ناجحا ، وبدأت من ذلك الوقت تتكون زعامته الشعبية . وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية ، وبعد أن استقر الوضع في العراق ، وقد كان الناس خارجين من مضايقات وضغوط واعتقالات أعقبت حركة رشيد عالي الكيلاني التي انتهى أمرها في شهر أيار سنة 1941 م وأعقبتها وزارة جميل المدفعي ، ثم وزارة نوري السعيد الذي يقول كاتب عراقي بأنه « شن حملة اعتقالات واسعة على من كانوا دعموا حركة الكيلاني حتى بلغ عدد المعتقلين ما بين 500 - 600 شخص وهو عدد يعتبر كبيرا في تلك الأيام ، وراح السعيد يضيق الخناق على أية مبادرة جماهيرية ذات صفة سياسية » . في ذلك الوقت كان لا بد من استرداد ثقة الشعب وتهدئة خواطره ، بالتدليل على تبدل اتجاهات الحكم ، ولأجل الوصول إلى هذا الغرض كان لا بد من اعتماد الرجل الذي يطمئن إليه الناس ويثقون به ، فاتجهت الأنظار إلى ( سعد صالح ) فدعي إلى تولي الحكم ، فكان في أول شروطه إطلاق حرية العمل الحزبي ، فكان له ما أراد ، وتألفت في 23 شباط 1946 وزارة توفيق السويدي وتولى وزارة الداخلية فيها سعد صالح الذي كان هو المحرك الفعلي لكل أعمال الوزارة . وعند ما استقال بعد ذلك وقاد المعارضة داخل المجلس النيابي وخارجة كانت مقالاته نصوصا من أروع نصوص الأدب السياسي . وعن شاعرية سعد صالح يقول عبد القادر البراك : كان من جناية السياسة على الأدب في حياة السيد سعد صالح أن حجبت خطبه ومقالاته السياسية وتقاريره المعتمدة عن مشاكل ( المتصرفيات ) التي تولى إدارتها ، موهبته كشاعر مطبوع كان بمقدوره لو انقطع للشعر أن يقف كتفا إلى كتف بجانب كبار شعراء العراق في مطلع القرن العشرين . فلقد هيات بيئة النجف الشعرية ( سعدا ) لأن يكون في عداد شداة الشعر ، كما أن ملكاته المتعددة قد جعلته قادرا على أن يودع عواطفه الجياشة ومعانيه الرائعة وتطلعاته الوطنية والقومية في قوالب من الشعر تميزه عن سواه من شعراء الفترة التي لمع فيها اسمه بين رواد [ الأب ] الأدب ، فلقد قصد القصائد المطولة فكانت ديباجته فيها معيدة للأسماع والقلوب الديباجة العباسية التي تلت مدرسة الشريف الرضي ، ونظم الأناشيد والموشحات في مختلف الأغراض الوطنية والوجدانية فكان خاتمة أمثاله بين كبار الوشاحين على قلة ما هو ميسور من نظمه ونثره . ولقد سبق لي أن نشرت فصلا صافيا عن شاعرية سعد صالح في جريدة الحرية في الخمسينات ، ولقد صح عزمي على الإفاضة فيما كنت مستعينا بما وقفت عليه من قصائده وأناشيده ، وما استقر في ذهني من آراء وأحكام به وبارائه . وإلى أن يحين الوقت لظهور هذه الدراسة لا بد لي من أن أطرف القراء بقصيدة هي واحدة من آثار عراقية كثيرة حفلت بها خزانة الأستاذ مصطفى على بعث بها إليه سعد صالح من الكويت أثر مهاجرته إليها بعد أن أجهض الاستعمار البريطاني وأعوانه ثورة 1920 الخالدة وشرعوا بمطاردة الأحرار الذين ساهموا فيها وكان الشاعر في الطليعة منهم . ذلك أن السيد سعد صالح كان طالبا في دار المعلمين ، فلما اندلعت الثورة غادر مقاعد الدراسة ليحتل موقعه في خنادقها صادحا بشعره بأهدافها ومقاصدها التحررية ، ومساهما بالكفاح الفعلي في صفوف المجاهدين ، وقد أدى دوره كاملا ، ولكن ملاحقة السلطات له ولإخوانه المناجيد المساعير اضطرته إلى الفرار مما كان ينتظره لانتقام أصاب الكثيرين من أمثاله . ومن الكويت البلد الذي اختاره منفى له شرع الشاعر بإرسال حممه وشواظه متاججة نشر بعضها في الصحف الناطقة بلسان القوى الوطنية ولم يكتب لبعضها الآخر أن يأخذ طريقه إلى النشر . وهذه القصيدة يغني نصها عن التعريف بها وعما اشتملت عليه من مميزات وخصائص الشاعر الوطني المطبوع الذي عانى التجربة شعورا وعملا ، وأداها أحسن ما يكون الأداء في شعر صادق التعبير والدلالة والإيحاء هو شعر سعد صالح :