حسن الأمين
215
مستدركات أعيان الشيعة
من مراجع الدين في تبريز هما السيد « أبو الحسن الأنكجي » و « الميرزا صادق آقا » فاعتقلا وأبعدا إلى سمنان . واستمرت حركة المعارضة في مشهد وتعددت الاجتماعات واشترك فيها رجال الدين وفي مقدمتهم المرجعان الكبيران السيد « حسين القمي » والسيد « يونس الأردبيلي » وتقرر أن يسافر السيد « حسين القمي » إلى طهران للاجتماع بالشاه وإقناعه بالعدول عن قراره وأرسل السيد القمي برقية إلى الشاه ينبئه بقدومه . ولما وصل إلى الري في ضاحية طهران جعل مسكنه فيها ريثما يحصل على موعد لزيارة الشاه . ولكنه لم يلبث أن رأى مسكنه محاصرا ، وقد منع المرور بالقرب منه والدخول إليه والخروج منه . ثم اعتقل وأبعد إلى العراق . وبلغ نبا اعتقاله إلى مشهد فاشتد هياج الخواطر واحتشد الناس وهم ألوف ، في مسجد « گوهر شاد » وهو مسجد كبير متصل بمقام الإمام الرضا ( ع ) . ودأب الخطباء على تهييج الخواطر والطعن في سياسة الحكومة بضعة أيام . وفي 10 ربيع الثاني سنة 1354 ه . ق . الموافق 20 تير سنة 1314 ه . ش . أخذ جند القوزاق يستعدون للحملة على الجمهور المحتشد في المسجد . وفي اليوم التالي هيا قواد الجيش والشرطة رجالهم وسلاحهم فنصبت الرشاشات على أسطحة المسجد واستقرت المدافع الثقيلة في أطراف الشوارع المقابلة له . وبعد منتصف الليل من يوم 12 ربيع الثاني سنة 1354 ه . ق . الموافق 22 تير سنة 1314 ه . ش . اهتزت أجواء مشهد بدوي القنابل وأزيز الرصاص ، وهجم القوزاق وغيرهم من العسكر على المسجد واقتحموه وأمعنوا في الجمهور قتلا واعتقالا . وانتهت المعركة عند الفجر بتغلب القوزاق . وقدر عدد من قتلوهم من الأهالي . ما بين ألفين وخمسة آلاف قتيل وأخذوا ألفا وخمسمائة أسير . واطردت الحملة في الصباح إلى تعقب رجال الدين فاعتقل المرجع السيد « يونس الأردبيلي » وأكثر من ثلاثين عالما غيره . واعتقل « محمد ولي خان أسدي » قيم الحضرة الرضوية وأحيل إلى المحكمة بتهمة التحريض على المقاومة فحوكم محاكمة صورية وحكم عليه بالقتل ونفذ فيه الحكم . ( 1 ) واعتقل أيضا ابن « الآخوند ملا محمد كاظم الخراساني » ، وكانت له وجاهة في مشهد نظرا لمكانة أبيه . فأوقف في السجن مدة طويلة ثم أحيل إلى المحكمة العسكرية فحكمت عليه بالقتل ، وتوسط له مراجع الدين النجفيون فخففت الحكم عليه إلى السجن . وظل في السجن مدة سنتين ، قتلوه بعدها بالسم . وحكم على آخرين بالقتل والسجن وتوارى كثيرون . ويجدر بالذكر أن حرم الإمام الرضا ( ع ) كان دائما ملجا يأمن فيه الخائفون . حتى القاتل كان إذا استطاع الدخول إليه أوقف عنه الطلب . ثورة رضا شاه بهلوي بدأ « رضا شاه بهلوي » أمره جنديا فقيرا معدما لا يجد أحيانا قوت يومه . ولكنه يوم خلع عن العرش كان قد أصبح في مقدمة أثرياء العالم . وفي محاضر المجلس النيابي أن رصيده يومئذ كان 58 مليون ليرة إنكليزية في بنوك إنكلترا و 68 مليون تومان في بنك الإصدار الإيراني المسمى « بنك ملي » . ويملك 44 ألف سند تمليك لعقارات مختلفة من حقول وضياع وقرى ووحدات زراعية كبيرة . هذا غير ما كان يملكه من فيلات وفنادق ومصانع ، وغير ما صادره من كنوز « مرتضى قلي خان إقبال السلطنة » الماكويي و « السردار معزن » البجنوردي و « الشيخ خزعل » بعد أن غدر بهم وقتلهم . وغير ما كان يملكه أولاده من بنين وبنات من عقارات وأموال واسعة ضخمة . وقد بلغت عائدات أملاكه في أواخر سنوات ملكه ستين مليون تومان في السنة . قال « مؤيد أحمدي » نائب كرمان في جلسة عقدها المجلس النيابي بعد خلع « رضا شاه بهلوي » وإبعاده : « ملك الشاه السابق سبعة عشر عاما . وهي مدة تتالف من ستة آلاف يوم تقريبا ، حصل فيها على أربعة وأربعين ألف سند تملك . فلو قسمناها على عدد تلك الأيام لكانت النتيجة سبعة سندات في كل يوم ! » . وقد حصل على ذلك كله بالإكراه والغصب والاستيلاء على أملاك الدولة والتصرف بالأوقاف . وارتكب طغاته في هذا السبيل فجائع [ ندمي ] تدمي القلوب من تشريد وتسخير وإذلال وسجن وضرب وقتل . وأجبر البلدية على الإنفاق من حزانتها على بناء كثير من العمارات والفيلات له لأولاده . زار إيران في تلك الحقبة النائب الانكليزي « فوت » . وبعد عودته إلى انكلترا نشر سلسلة من المقالات عن مشاهداته جاء في إحداها عن « رضا شاه » : « رضا شاه قطع دابر اللصوص وقطاع الطرق من مسالك إيران . وأمنهم شعبه ، انه لا يجوز ، من الآن فصاعدا أن يكون في إيران كلها غير قاطع طريق واحد ، قاطع طريق كبير لا غير . « شاه إيران السابق غليظ القلب ظالم بعيد الآمال حريص طماع . وهو مع هذه الصفات ماضي العزيمة . لا يحبه أحد . ولكن لا يستطيع تحديه أحد . يلقي بمنافسيه ومخالفيه في السجن أو يقتلهم لا تأخذه عليهم شفقة ولا رحمة . وما في إيران اليوم من فتنة وهرج ومرج هي نتيجة سياسة ذلك الشاه الخاطئة . « يطلب أهل إيران من ملكهم خبزا فيلقمهم حجارة . لم يصنع شاه إيراني السابق لشعبه شيئا . وقلما خدم أمته . أو بالأحرى أن نقول إنه لم ينفع الإيرانيين بشيء على الإطلاق . « لم يكن رضا شاه يعير أهمية لبناء مجتمع متراص متماسك ، وجهاز حكومته عبارة عن بضعة آلاف من الملاكين والتجار وأصحاب الأسهم وكبار الموظفين الحكوميين ، تكاتفوا وملأوا جيوبهم من حاصل كدح فئة من الفلاحين والعمال الإيرانيين التعساء وثمرة كدهم . « انطلق رضا شاه إلى جزيرة موريسش مخفورا بحرس مسلح وخلف ملك إيران المقتدر وراءه وطنا ذا ثروات لم تمس يسكنه شعب فقير » . ولما بلغ « رضا شاه » سنة 1320 ه . ش وهب أمواله وأملاكه لابنه « محمد رضا بهلوي » الذي نصب في مكانه ملكا على إيران ، وأثبت هبته
--> ( 1 ) بعد خلع « رضا شاه » أقامت عائلة « محمد ولي خان أسدي » هذا دعوى على القاضي العسكري الذي حكم بقتله ، فأحيل إلى المحاكمة وحكم عليه بالسجن . وظل مسجونا إلى أن مرض ودود ظهره ومات في السجن .