حسن الأمين

214

مستدركات أعيان الشيعة

« بروجرد » . ودلت القرائن والسوابق على أن الشاه هو الذي دبر مؤامرة اغتياله . لقد كان أمير العسكر « عبد الله خان طهماسبي » هذا ، وكان « نصرت الدولة » و « تيمور طاش » و « علي أكبر داور » و « السردار أسعد » البختياري عمدة في حركة « رضا شاه بهلوي » للوصول إلى غايته . وقد غدر بهم واحدا واحدا . ومثلهم السيد « محمد تدين » . فهو الذي ترأس جلسة المجلس النيابي التي تقرر فيها خلع الأسرة القاجارية وتولية « رضا خان » رئاسة الدولة . وقد استمات في إدارة تلك الجلسة وتوجيهها على النحو المطلوب واضطر المعارضين إلى الخروج من المجلس . وهو أول من خاطب « رضا خان » بلقب « صاحب السمو » . ولكنه هذا لم يلبث ، بعد حصوله على العرش ، أن نبذه وأذله ، ووكل به شرطة تراقبه ، حتى إنه أصبح لا يجرؤ على الحضور في البلاط . فإذا اتفق أن حضر إليه عامله الشاه بالسخرية منه والاستهانة به . وهؤلاء هم بعض من نكبهم « رضا شاه بهلوي » من المشاهير . أما ولكن نكبهم من الأبرياء المغمورين من العامة وسواد الناس ، فماتوا في السجون والزنزانات والمشانق وتحت السياط لا يدري بهم أحد ، فيعدون بالألوف روى « حسين مكي » في كتابه « تاريخ إيران في عشرين سنة » هذه القصة : غضب الضابط « فضل الله زاهدي » أحد ضباط جيش الشمال يوما على جندي فأمر أحد رجاله اسمه « صفر علي خان » بجلده ، وقال : استمر في جلده حتى أعود ثم مضى إلى التلفون ليرد على مكالمة . وكانت المكالمة دعوة له إلى الحضور إلى إدارة البريد لتلقي مكالمة من الخارج فخف مسرعا إلى إدارة البريد . وهناك طالت المكالمة حوالي ساعتين ، والضرب مستمر على جسد الجندي المغضوب عليه . ثم مضى من إدارة البريد إلى منزله . فتغدى ومضى إلى سريره للقيلولة وقد نسي قضية الجندي المعاقب . وإذا بالتلفون يرن في منزله . ولما تناول السماعة كان المتكلم « صفر علي خان » . ودارت بينهما هذه المحاورة : الضابط فضل الله زاهدي : ما ذا تريد ؟ صفر علي خان : امتثالا للأمر العسكري لا يزال الجندي يجلد . - أي جندي ؟ - جعلت فداك ، الجندي الذي أمرت في الصباح بجلده حتى تعود . وهو لا يزال يجلد لأنك لم تعد بعد . - وكيف هو الآن هذا الجندي ؟ - جعلت فداك ، مات قبل مدة . ونحن نجلد جثته . - كفى يا ابن المحروق ! وسواء أكانت هذه القصة صحيحة أم كانت موضوعة فإنها تناسب طبيعة الحكم الدي كان مسيطرا يومئذ على إيران . مذبحة مشهد لم يكن شيء من تلك الفجائع التي ارتكبها « رضا شاه بهلوي » مخالفا ، في نظره ، للتقدم والتمدن والحضارة ، بل كانت كلها موافقة لها . بل كان يعدها طريق إيران إليها . وكل مخالفات التقدم والتمدن والحضارة كانت تنحصر عنده في حجاب النساء واعتمار الرجال ب « الكلاه » القومي الوطني . فإذا استبدل السفور بالحجاب والقبعة الفرنجية بالكلاه الوطني تمت لإيران كل أسباب التقدم والتمدن والحضارة ! وكان يقول : يجب أن يعد الإيرانيون أنفسهم مساوين للأجانب . ولا يفرقهم اليوم عن الأجانب سوى هذا الكلاه . فإذا طرحوه أصبحوا هم والأجانب سواء ! ويقول مثل هذا القول في حجاب النساء . وهذا يعني أن الاعتمار بالقبعة الفرنجية وطرح الحجاب يغنيان الإيرانيين عن الدمقراطية ورعاية القانون والعدالة الاجتماعية وحرية القول والرأي والمعتقد والتصنيع وإحياء الأرض وأمثال ذلك من مقومات الحضارة التي ينعم بها المتمدنون في أوروبا ، ويفترقون بها عن الإيرانيين . حسب الإيرانيين التقبع والسفور ! وصدر الأمر بان يكون أول فروردين سنة 1314 ه‍ . ش . موعدا لانفاذ القانون القاضي بالاعتمار بالقبعة الفرنجية وطرح الحجاب . وأمر رجال الشرطة بمراقبة المارة في الشوارع ، وكل امرأة راوها محجبة نزعوا عنها حجابها وكل رجل رأوه يعتمر بشيء غير القبعة الفرنجية نزعوه عن رأسه بالجبر والإكراه ، وقد أنفذ رجال الشرطة الأمر بكثير من القسوة والإهانة . وفي 17 دي سنة 1314 ه‍ . ش . ذهب « رضا شاه بهلوي » إلى حفل افتتاح مدرسة دار المعلمين وصحب معه زوجته وابنتيه سوافر . وأمر رئيس الوزراء والوزراء وسائر الحضور من كبار الموظفين بان يحضروا معهم زوجاتهم سوافر أيضا . وفي تلك السنة ( 1314 ه‍ . ش ) أصدر وزير الداخلية بلاغا عممه على كل الولايات بوجوب اعتمار جميع موظفي الدولة بالقبعة الفرنجية . على أن يلزم بعد ذلك سائر الأهالي بالاعتمار بها . بل إنه فصل في هذا البيان أنواع القبعات وألوانها . وبين ما يجوز لبسه من هذه الأنواع في النهار ويمنع في الليل وبالعكس ، وما يجوز لبسه في الصيف ولا يجوز في الشتاء وبالعكس وجعل ذلك كله إجباريا . بل أوجب أن تكون التحية بين المعارف حين يتلاقون في الطرقات برفع القبعة عن الرأس على الطريقة الأوروبية ، وغير ذلك مما عند الأوروبيين من تشريفات القبعة . وكان وزير المعارف قد أقام في سنة 1353 ه‍ . ق ، حفلة في شيراز لإحدى المناسبات دعي إليها جمع غفير من الأهالي من كل الطبقات . وألقيت في الحفلة خطب وعرضت تمثيلية . وفي آخر الحفلة برزت على المسرح جماعة من الفتيات ، وهن سافرات ومعهن « أركسترا » أخذت تعزف أنغاما راقصة ، وشرعت الفتيات يرقصن على إيقاعها ، وهو أمر لم يكن احتماله ممكنا لما كان عليه الناس يومئذ من عادات سنن وعقائد . فقامت ضجة استنكار في الحفلة وغادرها جماعة اعتراضا على ما حدث . وفي اليوم التالي انتشر الخبر في المدينة فعمها الغضب وأضرب البازار وتجمهر الناس في أحد مساجدها الكبيرة وخطب فيهم المرجع الديني السيد « حسام الدين الغالي » فاستنكر ما جرى في الحفلة وقبحه . فصدر أمر بتوقيفه فاعتقل وألقي به في السجن . ووصل نبا إضراب شيراز وثورتها واعتقال المرجع إلى طهران وقم ومشهد وتبريز وغيرها . فهاجت الخواطر استنكارا [ لأحبار ] لاجبار الناس على تغيير لباسهم ومحاولة إخراج النساء سوافر . فصدر الأمر من طهران باعتقال اثنين