حسن الأمين
21
مستدركات أعيان الشيعة
فاستحسن « كريم خان زند » جوابه . وساله عن معنى البيتين . فأجابه « آقا محمد خان » بان ذكر معناهما هنا ينافي حرمة هذا المقام المقدس . فقال « كريم خان زند » أنت هنا معتصم ، فكيف ترضى أن تخرج من هنا لتشرح لنا معنى البيتين ؟ ! فقال « آقا محمد خان » : إن شملني الملك بعطفه ورحمته خرجت من هذا المقام . وفي خارجة أشرح معنى البيتين . فقال « كريم خان زند » : قد شملناك بعطفنا ورحمتنا ، وخرج مصطحبا معه « آقا محمد خان » ومضى به إلى قصر الملك . وفي المساء انعقد المجلس الأدبي في حضرة « كريم خان زند » وشرح « آقا محمد خان » معنى البيتين بان الشاعر قالهما في وصف زجاجة الفقاع وفوران الزبد منها حين فتحها . وهكذا كان شعر قاله شاعر في القرن الرابع الهجري سببا في تذكر الشاه الزندي ل « آقا محمد خان » وإخراجه من معتصمه . ووفي « كريم خان زند » بوعده فلم يمس « آقا محمد خان » بأذى . مقتل حسين قلي خان قاجار وظل « حسين قلي خان » يماطل في الحضور حتى أيقن « كريم خان زند » أنه عازم على الاستمرار في التمرد وأنه لن يحضر إليه طوعا . ولا بد من الحرب . وكان « حسين قلي خان » قد تمكن واستقوى حتى سيطر على مساحة واسعة من شمال إيران وامتدت يده إلى مازندران و « جيلان » وأصبح يملك قوة بحرية صغيرة لا تنفك تستقوي شيئا فشيئا ، وبذلك استطاع أن يمد نفوذه على سواحل شمال إيران من « دربند » إلى خليج « قره بغاز » . وحاول « كريم خان زند » مرارا . أن يقهره بحكام تلك الأقاليم المحليين فلم يفلح ، إذ كان « جهان سوز » يتغلب عليهم دائما . حتى إنه أصبح يهدد طهران نفسها . ورأى « كريم خان زند » أنه لا قبل له بمحاربة « جهان سوز » فاستشار بعض رجاله في أمره . فأشار عليه أحدهم أن يقضي على « حسين قلي خان » بقتله اغتيالا من غير أن يسوق جيشا إلى محاربته . فراقت له الفكرة . وأرسل رجلا اسمه « علي خان دولو » إلى « أسترآباد » ليتولى تدبير مؤامرة الاغتيال . فاستاجر هذا رجلا تركمانيا اسمه « آرتق » كان « حسين قلي خان » قد قتل أخا وابنا له ، فاستوقفه وهو راكب متظاهرا بان يرفع إليه ظلامة ، ووثب إليه على ظهر الفرس فقتله ضربا بالسكين ، وقتل مرافقوه « آرتق » . وذلك في سنة 1189 هالموافقة سنة 1775 م ، وعمره يومئذ ست وعشرون سنة . منها ست سنوات مدة حكمه وملكه . وقيل إنه قتل في اليوم العشرين من شهر صفر سنة 1191 ه ، وقيل في الثاني عشر من شهر صفر سنة 1192 ه . وقيل إن من قتله ثلاثة من التركمان من قبيلة « يموت » . وبعد قتله نصب « كريم خان زند » مدبر المؤامرة « علي خان دولو » حاكما على « أسترآباد » . وعادت ، بعد مقتل « جهان سوز » ، طائفتا « أشاقة باش » و « بوخاري باش » إلى « ما كانتا عليه من خلاف . وكان حاكم » أسترآباد « الجديد يحركه ويوسع شقته . وعزم أحد خدم « حسين قلي خان » ، واسمه « يوسف » ، على الأخذ بثار سيده . فاخذ يترصد « علي خان دولو » ، حتى كان هذا يوما راكبا يتنزه على شاطئ نهر « جرجان » ، فامتطى « يوسف » حصانا وتبعه وأطلق عليه رصاصة ، وفر إلى صحراء التركمان . ووقع « علي خان دولو » جريحا . وبعد يومين قضى نحبه . وقيل إن « علي خان دولو » قتل في دار الحكومة في « أسترآباد » . وظل القاتل متواريا إلى أن ملك « آقا محمد خان » ، فعاد إليه وحصل منه على مكافاة ومنصب . فرار آقا محمد خان كان « آقا محمد خان » ، بما هو مخصي ، مأذونا له أن يدخل إلى حرم « كريم خان زند » . وإلى هذا كانت إحدى زوجات الشاه الزندي عمته . وفي أواخر حياة هذا عرف « آقا محمد خان » من عمته أن مرض « كريم خان زند » يشتد يوما عن يوم وأن حاله لا تنفك تزداد سوءا ، وأنه مائت عن قريب بسبب المرض والشيخوخة . ويومئذ ، في سنة 1191 هالموافقة سنة 1777 م ، أرسل « آقا محمد خان » في السر رسولا إلى « أسترآباد » ومعه رسالة إلى « عباس قلي بيك أشاقة باش » أحد رؤساء « أشاقة باش » ومن أشد الموالين لآقا محمد خان إخلاصا . وأمره في هذه الرسالة بان يبادر إلى السفر مع نخبة من رجال « أشاقة باش » إلى مدينة « ورامين » قاعدة ناحية « ورامين » الواقعة في شرقي طهران قريبا منها . وأعلمه في هذه الرسالة بان موت « كريم خان زند » بات وشيكا ، وأنه سيلحق به فور انقضاء أجله . وكان « آقا محمد خان » يقضي تلك الأيام الأواخر من حياة « كريم خان زند » خارج شيراز متظاهرا بأنه يصطاد . ولكنه ، إذ كان يتوقع موت « كريم خان زند » بين ساعة وساعة ، كان يريد أن يبقى خارج المدينة حين موته ليتيسر له الفرار ساعتئذ . وكان « كريم خان زند » بعد مقتل « حسين قلي خان » ، قد أحضر جماعة من أقارب « آقا محمد خان » إلى شيراز وأبقاهم فيها رهائن . ولم يكن مسموحا لأحد منهم بالخروج من المدينة سوى « آقا محمد خان » . وقد أعلمهم هذا بأنه سيكون حين موت « كريم خان زند » خارج المدينة ، وأوصاهم بان يبادروا حينئذ إلى اللحاق به في مكان عينه لهم ، مغتنمين فرصة انشغال الزنديين بوفاة ملكهم وما يصحب ذلك من بلبلة وتشويش ، فلا ينتبه لهم أحد حين فرارهم . وفي الثالث عشر من شهر صفر سنة 1192 ه ( 1 ) توفي « كريم خان زند » . وكان « آقا محمد خان قاجار » خارج المدينة . فلما علم بخبر وفاته أقام في المكان الموعود ينتظر قدوم ذويه الرهائن . ولكن انتظاره طال ولم يحضر أحد منهم فأيقن أنهم منعوا من الخروج . أما ما حدث لأولئك الأمراء القاجاريين فهو أن « أبو الفتح خان زند » حاكم شيراز ، وهو ابن « كريم خان زند » ، كان قد بث عليهم عيونا تراقبهم من قبل أن يتوفى أبوه . فلما توفي حاول ثلاثة منهم الخروج من المدينة فقبض عليهم . وهم « عيسى خان » و « موسى خان » و « سليمان خان » ، وهذا الأخير كان في العاشرة من عمره . وأمر « أبو الفتح خان زند » بقتل الأولين فقتلا ، وأبقى على الثالث لصغر سنة ، ووضعه في المراقبة مع سائر الأمراء القاجاريين من طائفة « أشاقة باش » المحتجزين رهائن . فلما أيس « آقا محمد خان » من حضور أقربائه ترك مكانه ليلة الرابع
--> ( 1 ) ذكر « سعيد نفيسي » في كتابه « تاريخ إيران الاجتماعي والسياسي » و « مهدي بامداد » في كتاب « شرح حال رجال إيران » أن وفاة « كريم خان » كانت سنة 1193 ه .