حسن الأمين

22

مستدركات أعيان الشيعة

عشر من صفر منطلقا إلى أصفهان ليمضي منها إلى طهران ويلتحق بأنصاره هناك . فلما وصل إلى أصفهان بعد مشقات وأهوال عاناها في الطريق تبين له أن خبر موت « كريم خان زند » لم يبلغ إليها بعد فتابع السير إلى طهران . وفي سفره هذا كان يستقصي الأخبار في كل بلدة يمر بها فيتبين أن نبا موت « كريم خان زند » لم يصل إليها بعد ، ولم يدخل طهران ، بل عرج على مقام ( عبد العظيم ) ، ثم اتجه إلى ( ورامين ) . ولما وصل وجد « عباس قلي بيك أشاقة باش » ورؤساء طائفته في انتظاره . فلما وقع نظرهم عليه علموا أن « كريم خان زند » قد توفي ، إذ لو كان لا يزال حيا لما استطاع « آقا محمد خان » الفرار . هذا وقد ظل « آقا محمد خان » أسيرا في شيراز عند « كريم خان زند » مدة ست عشرة سنة . وملك « كريم خان زند » مدة عشرين سنة تقريبا ( 1 ) ثم عاد « آقا محمد خان » برجاله من « ورامين » إلى طهران ولم يكن نبا موت « كريم خان زند » قد وصلها بعد ، فاذاعوه في الناس . وفر « تقي خان زند » عامل « كريم خان زند » على طهران . فأمر « آقا محمد خان » بتعقبه واعتقاله . فاعتقل وأعيد إلى طهران وأحضر إلى مجلس « آقا محمد خان » ، فأمر بضربه فلقا ثم أطلقه ، فذهب إلى شيراز . والمؤرخ الانكليزي « واطسون » يقول إن « تقي خان زند » كان على علم بوفاة « كريم خان زند » ، وأنه خرج من طهران قاصدا شيراز ليعلن ، حسب العادة المتبعة ، بولائه لخليفة الملك المتوفى « أبو الفتح خان زند » الذي نصب ملكا بعد أبيه ، ويلتمس منه تثبيته في منصبه . ولم يخرج فارا من وجه « آقا محمد خان » . ولكن اتفق أن كان دخول « آقا محمد خان » إلى طهران حين سفره إلى شيراز . ومهما يكن فان « آقا محمد خان قاجار » انتقل من « ورامين » إلى طهران ، ولحق به جماعة أخرى من طائفة « أشاقة باش » . وإذ كان حاكم طهران الزندي غائبا عنها ، فقد أصبح هو حاكما عليها . وبادر إلى جباية الضرائب من الأهالي ، إذ كان بحاجة إلى المال . وأرسل المنادين ينادون في أنحاء المدينة وفي القرى والقصبات المجاورة لها بأنه يقبل الأواني الفضية والنحاسية ضريبة بدلا من النقد . وإذ كان القرويون لا يملكون شيئا من أواني الفضة ، وكان الذي يملكون منها شيئا في طهران قلائل ، وهم يفضلون إعطاء الأواني النحاسية والاحتفاظ بالفضية ، فقد كان كل ما تجمع عنده من هذه الضريبة نحاسا . وظل الناس متعجبين يتساءلون : ما ذا يصنع الخصي القاجاري بالنحاس ؟ ! ثم تبين لهم مراده ، إذ أمر بصهر النحاس وسكه نقدا . فكان أول نقد ضربه « آقا محمد خان » من النحاس . وضربه ، أول ما ضربه ، في طهران . وجعل « آقا محمد خان » نفقته الخاصة منه لا تزيد على عشرة فلوس لفطوره وغدائه وعشائه . ويومئذ انتشر عنه ما انتشر من سمعة الشح والتقتير . وإذ ظل رجال حاشيته بعيدين عنه مدة ستة عشرة : سنة فهم يجهلون ما ألزم به نفسه من عادات ، فقد نظروا إليه بعين النفور والتعجب إذ رأوه ، وهو ابن « محمد حسن خان أشاقة باش » ، يزن طعامه بالميزان . فقد ظنوه يفعل ذلك من شح وخساسة إذ كانوا يجهلون فائدته . كان « آقا محمد خان » قد تعلم الاقتصاد والانضباط من أمه ، وظل ملتزما بهذه الخصال إلى آخر حياته . ولم يكن قط شحيحا مقترا ، بل مقتصدا منضبطا . يقول أعداؤه إنه بذل حياته في مدينة « شوشي » في القفقاس من أجل حزة من ( الخربوز ) . ولكنهم غفلوا عن أن ملكا مقتدرا مثل « آقا محمد خان » لا يمكن أن تهمه حزة خربوزة فيهدد خدمه بالقتل من أجلها ، ثم يقدم خدمه على قتله خوفا على حياتهم . وكل ما في الأمر أن الرجل كان يعلم أن بعض الناس لا انضباط لهم . وهو حريص على مراعاة النظام في بيته وأن لا يترك الخدم على هواهم يفعلون ما يشاؤن . واستهانة الخدم بأمر من أمور البيت ، مهما يكن حقيرا تافها ، علامة على الإهمال وعدم الانضباط . السفر إلى مازندران رأى « آقا محمد خان » أن سعيه إلى كسب القوة يقتضيه الذهاب إلى « أسترآباد » حيث يعرفه الجميع بما هو ابن « محمد حسن خان أشاقة » الأكبر . وحيث اعترفت به طائفة « أشاقة باش » رئيسا لها ، وإن يكن خصيا وقد غاب عن معارفه مدة ستة عشرة سنة . وحيث يتوقع أن تلتحق به الطوائف الأخرى ويقبل به الجميع رئيسا لهم أو ملكا عليهم . ولذلك قطع إقامته في طهران وسار إلى مازندران . وبعد مسيره بقليل عين « أبو الفتح خان زند » ابن « كريم خان زند » وخليفته « علي مراد خان » حاكما على أصفهان وكاشان وطهران وقزوين . وهذا الحاكم هو ابن أخت « زكي خان زند » أخي « كريم خان زند » . وكان « زكي » هذا قد جمع ، بعد وفاة « كريم خان زند » ، كل شؤون الحكم في يده وقتل جماعة من الأمراء الزنديين ليستولي على أموالهم ، ولم يبق ل « أبو الفتح خان زند » من الملك غير العنوان . وكان « علي مراد خان زند » لا يحسب حسابا ل « آقا محمد خان قاجار » ولا يبالي به ، ولا يتوقع أن يكون لمثل هذا الخصي شان كشان أخيه وأبيه من قبله . وما كان يهمه هو أحد كبار الرؤساء من إقليم « خمسة » الواقع في شمال إيران ، واسمه « ذو الفقار خان أفشار » سار إلى قزوين واستولى عليها إذ كان يرى أنه أحق بها من « علي مراد خان زند » . ولكن هذا استخلصها منه بلا حرب ، إذا استجاب « ذو الفقار خان » لالتماس أهالي قزوين أن يجنب مدينتهم ويلات الحرب والحصار ، فغادرها بلا حرب واحتلها « علي مراد خان زند » . ثم سار « علي مراد خان زند » من قزوين إلى طهران مزهوا مختالا . وأمر الطهرانيين بتزيين المدينة ثلاثة أيام بالأضواء وغيرها من أنواع الزينة ابتهاجا بفتح قزوين . فالتمسوا منه الطهرانيون إعفاءهم من التزيين لما هم فيه من ضيق ، إذ كان « آقا محمد خان » قد أجبرهم على أداء ضريبة السنة القادمة قبل حلول موعدها ، ثم أجبرهم « علي مراد خان زند » أيضا على بذل شيء من المال له . ولكنه أصر على طلبه واضطر الطهرانيون إلى إقامة الزينة . وفي أيام هذه الزينة قدم إلى طهران اثنان من رؤساء « لاريجان »

--> ( 1 ) قال المؤرخ الفرنسي « جان غوره » إن الخلاف وقع بين الأمراء الزنديين فور وفاة « كريم خان زند » على نحو رهيب من الشراسة والطمع ، حتى أن جثته ظلت ثلاثة أيام ملقاة لا يهتم أحد بدفنها لانشغالهم بالتقاتل و [ التنايذ ] التنابذ حتى أنتنت الجثة .