حسن الأمين

208

مستدركات أعيان الشيعة

إكراه الناس على لباس معين ومظهر فردي معين وعقيدة دينية معينة ، بل تركهم أحرارا يلبسون ما يعجبهم ويعتقدون بما يروق لهم . وقضى على النظام الاقطاعي ليفسح المجال للنظام الدمقراطي ومستلزماته من رقي علمي وصناعي وحربي ، لا ليحل دكتاتورية في محل النظام الاقطاعي ، ويصبح خليفة للاقطاعيين يستأثر ، وحده من دونهم ، بالتحكم في مقدرات الناس ، كما فعل « رضا شاه بهلوي » . وقبل ذلك استطاع « غاريبالدي » أن يوحد إيطاليا ويقضي على نظام ملوك الطوائف ، ويخلق دولة مركزية موحدة على قانون واحد وحكومة واحدة ، من غير حاجة إلى الغدر والاغتيال والتعذيب والإرهاب . حكم « رضا شاه بهلوي » ستة عشر عاما ، وحكم ابنه « محمد رضا بهلوي » بعده سبعة وثلاثين عاما ، ظل الريف الإيراني - وهو ريف واسع مترامي الأطراف - فيها محروما من الماء والكهرباء والطرق المعبدة والخدمات الطبية . وعمت الرشوة والفساد البلاط والدوائر الحكومية . واستحكم الحكم البوليسي ينغص على الناس حياتهم بالارهاب والسجن والتعذيب والخوف . وأوذي الناس في مشاعرهم الدينية والخلقية . وأصبحت الثروة الضخمة التي تحصل عليها إيران من دخل النفط وسيلة إلى تعطيل الإنتاج المحلي - وهو إنتاج بدائي بسيط - ووقف تقدمه بدلا من أن تكون وسيلة إلى تحسينه وتطويره . وذلك بسبب قوانين الاستيراد والمتاجرة ، القوانين التي حرمت الإنتاج المحلي من كل حماية وإباحته للمزاحمة الأجنبية تعطله وتمحقه . وبذلك تحولت الثروة النفطية إلى ثروة استهلاكية عقيمة تؤخذ اليوم من الأجانب ثمنا للنفط لتعاد إليهم غدا ثمنا للبضائع الاستهلاكية الكمالية ، فأين هذا من مقومات الحضارة الغربية ؟ ! واستحوذ على الأب والابن كليهما ، ولا سيما الابن ، هوس « التماثيل » فأقاموا لأنفسهما من التماثيل ما لم يقم لجورج واشنطن و « بوليفار » و « سان مارتين » و « غاريبالدي » أنفسهم . فأينما توجهت طالعك تمثال لأحدهم . وكل تمثال أقيم على شكل ووضع خاص . وعند كل تمثال حارس يحرسه من غضب الناس . إذ لو ترك بلا حراسة لما استقر في مكانه لحظة ولنفسه الناس نسفا . ولو أن نفقة تمثال واحد من هذه التماثيل خصصت لقرية من القرى لكفت لكهربتها وإنشاء مستوصف طبي يسعفها . فهل كان هذا اقتداء بالتمدن الأوروبي ؟ ! إن المقررات الحضارية التي فرضها « رضا شاه بهلوي » وابنه من بعده على إيران لم تمنح إيران شيئا من الحضارة الغربية الأوروبية سوى مفاسدها من إباحية جنسية وانحلال خلقي ، وحجبت عنها كل مقومات تلك الحضارة الجدية من تقوية الإنتاج الاقتصادي الوطني وحمايته من المضاربة الأجنبية ورعاية للقانون والديمقراطية والحريات العامة والفردية . وقد عوض « رضا شاه بهلوي » الإيرانيين عن هذا كله بإدخال بدعة « الكرنفال » إلى إيران ! ومما ناقض به « رضا شاه بهلوي » مفاهيم الحضارة الأوروبية الغربية . وهو يعده تطبيقا لتلك المفاهيم ويمن به على إيران والإيرانيين ، ما أسماه « تجميل طهران » . ولم يكن لهذا التجميل عنده من معنى سوى شق الشوارع العريضة المستقيمة وهدم كل ما يعترضها من أبنية ولو كانت آثارا تاريخية ومنشات فنية جميلة . ومن أجل ذلك هدم أكثر من عشر بوابات كانت لا تزال قائمة من سور طهران القديم وكانت مبنية بناء فنيا جميلا مزخرفة بالكاشي . وهدم بعض المدارس القديمة وبعض قصور القاجاريين أيضا وقد فاته ان الإبقاء على أمثال هذه الآثار مقدم عند أهل الحضارة الغربية الأوروبية على شق الشوارع العريضة المستقيمة . بل هم ، إذا اضطر أحدهم إلى هدم بناء قديم له يخشى من سقوطه بسبب القدم وكان ذلك البناء قائما في محلة يراد لها أن تبقى على وضعها القديم ، أجبروا صاحب البناء على إعادة بنائه كما كان وحيث كان . وقد يضطرون إلى شق شارع يعترض امتداده بناء أثري أو بناء سبق أن وقعت فيه حادثة مهمة من حوادث تاريخهم . فإذا وصلوا في شق الشارع إلى ذلك البناء انحرفوا به عنه ولا يبالون أن يحدث ذلك اعوجاجا في بعض الشارع . وهم يقيمون المنشآت الحديثة من أبنية وشوارع عريضة مستقيمة حيث لا تقتضي إقامتها إزالة معلم من معالم القديم . ظل « رضا شاه بهلوي » يتملق العامة ورجال الدين بالتظاهر بالتدين وإقامة الشعائر المذهبية إلى أن استتب له الأمر وجمع في يده زمام السلطة المطلقة . وعندئذ تنكر للدين وكل ما يتصل به . فبعد أن كان يجلل ثكنة القوذاق بالسواد أيام المحرم ويواظب على إقامة العزاء الحسيني ويقف بنفسه يستقبل الوافدين إلى المجلس وينعم على الخطباء بالهدايا ، أمر بابطال ذلك كله . وأمر بمنع الناس من إقامة مجالس العزاء الحسيني إلا باذن من الشرطة . وبعد أن كان يشكل موكبا من القوزاق يشارك يوم عاشوراء المواكب الحسينية التي يسيرها الأهالي في أنحاء المدينة ، ويسير هو في مقدمته حاسر الرأس معفرا بالتراب علامة الحزن أمر بمنع الناس من تسيير هذه المواكب ، وحرض على تسيير مواكب « الكرنفال » . بل اتفق في إحدى السنين من أيام ملكه أن سارت مواكب « الكرنفال » في شوارع طهران في ليلة عاشوراء نفسها . وكانت عدة من الكميونات جهزت على النحو المعروف في تجهيزات الكرنفال ، وفيها الراقصون والموسيقى ومظاهر الابتهاج والهزل والتهريج . وبعد أن كان يسير حافيا إظهارا للأسى والأسف والخشوع في مقدمة موكب القوزاق ليلة الحادي عشر من المحرم المعروفة عند الإيرانيين باسم « شام غريبان » ( أمسية المغربين ) ، لم يتورع عن أن يدخل بحذائه إلى المقامات المقدسة غير مراع حرمتها متعمدا إهانتها وتحدي شعور الناس الديني ، كدخوله يوما مع جلاوزته إلى مقام السيدة « معصومة » في قم ودخوله إلى مقام الإمام الرضا ( ع ) في مشهد لتعقب بعض المعارضين من رجال الدين ومعاقبتهم . قتل السيد « حسن المدرس » كان من أعظم الجرائم التي ارتكبها « رضا شاه بهلوي » وهو يمن على إيران بأنه رائدها إلى التمدن والتقدم ، إقدامه على اعتقال السيد « حسن المدرس » ثم قتله على نحو لم يعهد في غير عصور الرق والاستعباد ! كان السيد المدرس فقيها مجتهدا ورعا زاهدا . وطنيا صلبا خطيبا مفوها . شجاعا . حاضر الذهن سريع الخاطر ويعيش في حياته الخاصة في منتهى البساطة في المأكل والملبس والمسكن انتخب نائبا عن طهران للمجلس النيابي الثاني سنة 1328 ه‍ . ق . وظل ينوب عن طهران في المجلس إلى نهاية دورته السادسة في 22 خرداد سنة 1307 ه‍ . ش . الموافق 26 صفر سنة 1347 ه‍ . ق . وكان دائما يحصل على أكثرية أصوات الناخبين . ومع أنه نشا في بيئة دينية علمية صرفة فإنه حين تعاطى السياسة برع فيها حتى أصبح من أعلامها ، ومارس الحياة النيابية فسرعان ما أصبح برلمانيا من