حسن الأمين
209
مستدركات أعيان الشيعة
الطراز الأول ، ولكلمته في المجلس دوي استحسان وإعجاب في المحافل السياسية والشعبية . ويجمع المؤرخون على أنه كان من مفاخر إيران في تاريخ تلك الحقبة . ومع كل ما لقيه في حياته السياسية من شدائد وصدمات فقد ظل ثابتا لا يتزعزع في حماية الدستور والدفاع عن الحريات العامة . ومن ذلك ثباته على معارضة « رضا شاه » مع كل ما بلغه هذا من جبروت وطغيان حتى ضاق به ذرعا . فقرر التخلص منه بالقتل . فأرسل إليه من يغتاله . وكمنوا له عند الفجر في يوم 7 آبان سنة 1305 ه . ش . قرب مدرسة اعتاد أن يذهب إليها في ذلك الوقت للدرس . فلما واجههم ، ورأى نفسه في طريق مسدودة لا منفذ منها للفرار قام بحركة تدل على سرعة خاطر وحضور ذهن عجيبين . حركة يصفها أحد المؤرخين بأنها تشبه الحركات التي يخترعها الكتاب الخياليون في الروايات البوليسية . فاستطاع بهذه الحركة أن يقي مقاتله من الرصاص وأصيبت يداه فقط ، وفر المعتدون وهم يحسبون أنهم أصابوا قلبه . ولما شفيت يداه عاد إلى المجلس النيابي أشد عزيمة وأثبت جنانا . وفي انتخابات المجلس السابع سنة 1307 ه . ش . الموافقة سنة 1347 ه . ق . أبعد المدرس عن النيابة بتزوير الانتخابات ، إذ أهملوا عند فرز الأصوات كل الأوراق التي تحمل اسمه فلم يحصل على شيء من الأصوات على الإطلاق . وعلق هو على هذه النتيجة بقوله : لنفرض أن الطهرانيين لم ينتخبني أحد منهم . ومع هذا فلا بد من أن أنال صوتا واحدا هو الورقة التي ألقيتها أنا بنفسي في صندوق الانتخاب فيها اسمي . فأين هي هذه الورقة ؟ ! وقد أحدثت هذه الحجة الدامغة ضجة في الأوساط السياسية والشعبية وأحرجت الحكومة . فأرسل إليه « رضا خان » رسولا في السر يعرض عليه أن يرشح نفسه عن إحدى المحافظات الأخرى ويعده بان يوعز إلى الناخبين بانتخابه نائبا عنها . ولكن السيد المدرس زجر الرسول زجرا عنيفا وأجابه : قل لقائد الجيش إن كان رجلا فليترك الناس أحرارا وسيرى كم مدينة تنتخبني نائبا عنها ! أما المجلس الذي أكون فيه نائبا بأمر منه فحقه أن تلطخ بوابته الوحل ! فلما يئس « رضا شاه » من حمله على الإذعان له أرسل إليه يأمره باعتزال السياسة . فأجابه السيد المدرس بان تعاطي السياسة والنضال في سبيل الحرية هو تكليف شرعي واجب علي لا أنصرف عنه ، وسأواظب عليه أينما كنت . ومن ثم قرر « رضا شاه » أن يتخلص منه . فأمر رئيس الشرطة باعتقاله ونفيه . وفي منتصف الليل من يوم 16 مهر سنة 1307 ه . ش . الموافق 22 جمادى الآخرة سنة 1347 ه . ق . اقتحم رئيس الشرطة مع جماعة كبيرة من رجاله بيت السيد « حسن المدرس » ، فحجزوا نساءه في غرفة وأقفلوا بابها . وقاومت كبرى بناته فدفعوا بها دفعة شديدة إلى داخل الغرفة فأصيبت بلطمة ووقعت مغمى عليها . واعتقلوا السيد المدرس واعتقلوا أبناءه وضربوهم ضربا اليما صفعا ولكما بالأيدي وركلا بالأقدام وشتموهم شتما قبيحا وأوقعوا بهم جراحا . ثم عموا رأسه وجروه بلا عمامة ولا عباءة ، بل إنهم لم يمكنوه من انتعال حذائه ، وجروا أبناءه إلى سيارة نقلتهم إلى إدارة الشرطة ، ونقل السيد المدرس بعدها إلى خراسان وسجن في قلعة خربة في « خواف » الواقعة عند حدود الأفغان . وأطلق سراح أبنائه في اليوم الثاني من اعتقالهم ولكن فرضت عليهم الإقامة الجبرية في طهران . وانقطعت أخبار السيد « حسن المدرس » لا يدري أحد أين هو ولا كيف هو إذ منعت زيارته عن كل إنسان . وظل في هذا السجن عشر سنوات ، صدر بعدها الأمر بقتله . فنقل من « خواف » إلى « كاشمر » . وهناك قتلوه قتلة فظيعة في 10 آذر سنة 1316 ه . ش . الموافق 28 رمضان سنة 1356 ه . ق . وعمره يومئذ في نحو الثالثة والسبعين ! وبهذا يبدو واضحا أن المتحضر التقدمي الذي أراد أن يقيم في إيران أساس التمدن الصحيح بإشاعة الحرية والعدالة وبسط الأمان والديمقراطية ومراعاة القانون والمحافظة على مقومات الشخصية القومية ، وهي الأصول التي يعتز متمدنو أوروبا بإقامتها في بلادهم ، إنما كان السيد « حسن المدرس » وأمثاله من مجاهدي الحرية والديمقراطية ! وأن تسيير مواكب « الكرنفال » والخروج على قواعد الحشمة ومحو مظاهر الشخصية القومية الخاصة ونقض الآثار الفنية الجميلة ومد الشوارع العريضة المستقيمة على أنقاضها لا يغني عن المدنية الحقيقية القائمة في أوروبا شيئا . وأن معاملة الرعية بالاستبداد والطغيان والإرهاب والاذلال وتزوير الانتخابات إنما هي ارتداد إلى حياة القرون الوسطى وأزمنة الرق والعبودية ، فهي الرجعية نفسها ، ولو حفت بها مواكب « الكرنفال » وأشرقت بها صدور النساء العارية في فساتين السهرة من آخر موديلات باريس وأحتوتها الجادات العريضة المستقيمة المزفتة ! ضرب الشيخ البافقي وسجنه كان المرجع الديني الأكبر يومئذ المرحوم الشيخ « عبد الكريم الحائري » . وكان يقيم في قم وفي معيته فقيه من كبار العلماء هو المرحوم الشيخ « محمد تقي البافقي » . وكان على قدر كبير من التقوى والورع . وكان خازنا للشيخ الحائري في عهدته حفظ أموال الحقوق الشرعية وإنفاقها في وجوهها . وينوب عنه في إمامة الجماعة إذا تغيب عنها . وقد اعتاد الإيرانيون من قديم الأيام أن يكونوا حاضرين في أحد المقامات المباركة ساعة حلول السنة الشمسية الجديدة . ويعدون حضورهم هذا فاتحة يمن وسعادة للسنة الجديدة . وهذا اليوم هو يوم النيروز عندهم . فلذلك يشتد الازدحام في تلك الساعة في مقام الإمام الرضا ( ع ) في مشهد ومقام « عبد العظيم الحسني » ( رض ) في الري ومقام السيدة « معصومة » ( رض ) في مدينة قم ، وفي غيرها من المقامات المقدسة . وفي ذلك اليوم من سنة 1306 ه . ش . الموافق 27 رمضان سنة 1346 ه . ق . احتشد الناس في مقام السيدة « معصومة » ( رض ) في مدينة قم ينتظرون حلول السنة الجديدة . وحضرت من طهران أسرة « رضا شاه بهلوي » ، وفيها نساؤه فجلسوا في غرفة خاصة في أعلى أحد الأواوين من مقام السيدة « معصومة » وكانت نساؤه سافرات سفورا كاملا . فاغاظ ظهورهن سافرات في هذا المقام المقدس الجمهور . واشتد أحد الوعاظ ، وهو يعظ على المنبر ، في إنكار هذا الأمر . ووصل الخبر إلى الشيخ « محمد تقي البافقي » فأرسل إلى أسرة الشاه يقول : إن كنتم مسلمين فلتحتجب نساؤكم في هذا المقام المقدس وإن كنتم غير مسلمين فما حضوركم هنا ؟ ! فلم يعتنوا بقوله . فحضر بنفسه إلى المقام وزجرهن وأمرهن