حسن الأمين
204
مستدركات أعيان الشيعة
ويعد قتل هذا القنصل من الأحداث السياسية المهمة في تاريخ إيران الحديث . وظلت الدوافع الحقيقية إلى قتله مجهولة . واختلفت الأقوال في الحدس بها . ولكنها كلها مجمعة على أنها دوافع سياسية . ومنها أن قتله كان دسيسة إنكليزية . وبعد هذا الحادث غادر إيران كل موظفي الشركة الأميركية التي حصلت على امتياز استنباط [ نفظ ] نفط الشمال خوفا على أنفسهم وتوقفت أعمال الحفر والتنقيب . وقد استغلت حكومة « رضا خان » هذا الحادث إذ جعلته حجة للعودة إلى فرض الحكم العسكري على طهران وتوابعها . فبدأت حملة واسعة من الاعتقال والنفي والتعذيب وتعطيل الصحف المعارضة . وهكذا جمع « رضا خان » في يده قوة عظيمة . فأكثرية المجلس النيابي تؤيده . وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة تأتمر بأمره وحده . والقانون عطل بحكمه العسكري . ومن الغريب أن نشرات الأخبار السوفياتية دأبت على تأييده وتزكيته واعتبار حكمه هو الأمثل ، والتنديد بمعارضيه ووصفهم بالرجعية والتعصب الديني وأمثال ذلك . وأصبحت المعارضة في داخل المجلس النيابي وفي خارجة في موقف صعب من القهر والاختناق . وبلغ الأمر إلى أن أقدم « رضا خان » في إحدى جلسات المجلس النيابي على محاولة ضرب النائب السيد « حسن المدرس » لولا أن ثناه عن المحاولة أحد أنصاره . ولكنه أشار إلى المدرس بيده مهددا وقال له « أنت محكوم عليك بالموت . وسوف أقضي عليك ! » . كان ذلك على أثر منافرة وقعت بينه وبين المدرس ، إذ كان هذا وفريق من النواب المعارضين ، منهم الشاعر « محمد تقي » المعروف باسم « بهار » ولقب « ملك الشعراء » ، قد قدموا إلى رئاسة المجلس استجوابا يحاسبون به الحكومة في موضوع الأحوال الراهنة . ولما أنفضت الجلسة وخرج النواب اتفق أن سار السيد « حسن المدرس » واثنان من النواب المعارضين الذين وقعوا على الاستجواب معا في طريقهم إلى بيوتهم . ووصلوا إلى أحد الأزقة وإذا بجماعة من الأوباش كانوا كامنين فيه يهجمون عليهم ويوسعونهم ضربا بالأيدي والعصي . وإذ رأى الناس هذه الواقعة تقاطروا من كل الجهات لحماية النواب ، وهجموا على المعتدين وأشبعوهم ضربا واضطروهم إلى الفرار . ورافق الجمهور النواب إلى بيوتهم بالاحترام والإكرام . وفي الجلسة المخصصة للاستجواب عجز النواب المعارضون عن التمكن من حضورها ، إذ كانت الحكومة قد حشدت في شرفة المتفرجين ونشرت حول المجلس وفي ساحته جمهورا كبيرا من الأوباش ينذرونهم بعاقبة وخيمة . بل كانت الظواهر تدل على أن النواب المؤيدين أنفسهم متهيئون للرد على الاستجواب بالضرب والعراك . واقتصر المعارضون على إرسال النائب « محمد تقي ملك الشعراء » لحضور الجلسة . وألقى هذا فيها بيانا مطولا صريحا قال فيه « إن أقلية النواب المعارضة ما زالت ، من يوم إعلان الحكم العسكري محرجة بمضايقات تجعلها واقعة تحت نوع من المراقبة . هذا عدا توقيف مطبوعات من يوافق أفكارنا وحبسهم ونفيهم . وكلما دخل أحد منزل نائب من نواب الأقلية اعتقل . وإن دخل نائب من نوابها منزل أحد من الناس اعتقل صاحب المنزل وعد استقباله للنائب جريمة يحاسب عليها . ففي هذه الأوضاع وهذه الأحداث ، إذ أركان القانون الأساسي لا يمكن صيانتها بوجه من الوجوه ، كيف يستطيع نواب الأقلية الحضور وكيف يستطيعون الاستجواب ؟ ! » . وكانت نتيجة هذه الجلسة أن طلب رئيس الوزارة « رضا خان » طرح موضوع الثقة بحكومته على التصويت فوافق المجلس وحصلت الحكومة على ثقة الأكثرية وتعطل الاستجواب . وعلى هذا النحو كانت الحياة النيابية تسير . وبعد مدة دبرت مؤامرة لاغتيال النائب « محمد تقي ملك الشعراء » . ولكن القاتل أخطا فقتل صحفيا اسمه « الواعظ القزويني » وهو يظنه « ملك الشعراء » . وقد سكتت كل الصحف عن ذكر خبر مقتل هذا الزميل . أما تحقيقات الشرطة في حوادث الاغتيال والتعدي تلك فكانت صورية لا تؤدي إلى نتيجة إذ أن الشرطة نفسها هي التي دبرتها . وحوادث التعذيب كانت تقع في دائرة الشرطة نفسها . وأمر أمير عسكر المشرق في خراسان بقتل « السردار معزز البجنوردي » حاكم « بجنورد » واثنين من إخوته بتهمة تحريض التركمان على التمرد . فقتلهم وقتل معهم أربعة آخرين من رؤساء العشائر في 31 تير سنة 1304 ه . ش . بعد محاكمة صورية . وبعد قتلهم أقدم أمير عسكر المشرق المذكور على قتل جماعة كبيرة من أهل « بجنورد » ونواحيها . قتلهم بلا محاكمة وعلى كيفية فظيعة جدا من غير ذنب ارتكبوه ، ونكب الناس بتعديات مختلفة . وصادر « رضا خان » أموال « السردار معزز » وإخوته وكانوا من كبار الأثرياء . تمرد « الشيخ خزعل » وكان « الشيخ خزعل » أمير إقليم خوزستان يعارض « رضا خان » وتطلعاته ، ويؤيد « أحمد شاه » فحالف رؤساء عشائر البختياريين المتمردين ، وجند عشائر خوزستان العربية معه ، وكانوا كلهم يأتمرون بأمره ، وهيا جيشا عظيما لمحاربة « رضا خان » وكسر شوكته . وأرسل من قبله رسولا إلى باريس إلى « أحمد شاه » يبلغه أنه قادر على توفير كل أسباب الاطمئنان والأمان اللازمة لعودته إلى إيران . ولكن الشاه رفض أن يأذن لهذا الرسول بالدخول عليه مع كثرة إلحاحه بطلب الاذن . وكان الشاه يرده دائما « آذن له بعد استقرار الأمور في خوزستان » . ولو أن الشاه استجاب للشيخ خزعل لاستطاع العودة إلى إيران والتغلب على « رضا خان » . غير أنه لم يستحب له إذ كان يأبى أن تكون عودته سببا في وقوع حرب أهلية . وكان الوطنيون المخلصون من معارضي « رضا خان » أيضا غير راضين عن حركة « الشيخ خزعل » إذ كان لماضيه وماضي أكثر حلفائه البختياريين سمعة سيئة من الظلم والتعدي والاستبداد ، فانتصارهم وانتصار « رضا خان » سواء من حيث النتيجة . وخشي هؤلاء الوطنيون أن يتأثر الشاه بالتماس « الشيخ خزعل » فيعود إلى إيران في حمايته فتسوء سمعته . ولذلك بعثوا من قبلهم رسولا إلى باريس إلى الشاه يستطلعون أمره وينصحونه بان لا يستجيب لالتماس « الشيخ خزعل » لأنهم يضنون بكرامته ، وهو الملك الدمقراطي الحريص على صيانة الدستور ، أن يعود إلى بلاده بهذه الطريقة . ولما دخل رسولهم على الشاه قال له الرسول : مع أن كل محبي الحرية