حسن الأمين
205
مستدركات أعيان الشيعة
يرون عودة جلالتك إلى إيران أمرا ضروريا فإنهم غير راضين عن التمرد الحاصل في خوزستان . ويرون أن تدخل مثل هذه الأيدي مضر بحركتهم الرامية إلى التقدم في نشر الفكر الحر . فما كان من « أحمد شاه » إلا أن تناول محفظة من على طاولة ، وأخرج منها مجموعة من البرقيات نثرها أمام الرسول . وإذا هي برقيات من « الشيخ خزعل » يكرر فيها التماسه السابق من الشاه . وقال الشاه للرسول : « أنا امرؤ إيراني وملك دولة دستورية ، لا أستطيع الخروج على حكومة تحكم بمرسوم صادر عني . إني لأعلم أن هذا الرجل ( رئيس الوزارة ) عدو للحرية وأن مجلس النواب أيضا ليس مجلسا حقيقيا . ولكن علمي هذا لا يكفي . فان أنا أقدمت على قلب هذه الحكومة التي تسلمت زمام الأمور بالقهر والدسيسة كان من حق الناس أن يعدوني متجاوزا للقانون . ويوم أقدم هذا الرجل على كسر حرمة المجلس وحكم الناس بالقهر والإكراه أبديت رأيي في ذلك . والتاريخ والمستقبل هو الحكم . ولن أفعل أكثر من هذا . وقد أرسلت إلى الشيخ خزعل برقية أن يتجنب الاقدام على كل عمل من شانه أن يضعف المملكة « . وسير « رضا خان » إلى حرب « الشيخ خزعل » وحلفائه البختياريين جيشا قاده بنفسه وخرج به من طهران يوم 13 آبان سنة 1303 ه . ش . الموافق 7 ربيع الثاني سنة 1343 ه . ق . وبعد بضعة وعشرين يوما وصل « رضا خان » بجيشه إلى حدود خوزستان . وإذا ب « الشيخ خزعل » يستسلم إليه بلا مقاومة ، مع أنه كان قادرا على الحرب متهيئا لها مصمما عليها . وقيل إن سبب استسلامه هو أن الإنكليز - وكان « الشيخ خزعل » صنيعتهم - أوعزوا إليه بالاستسلام إذ كانت الحرب خلاف مصلحتهم ، وطمانوه بان يوعزوا إلى « رضا خان » بتامينه . وقد أمنه بالفعل وبقي « الشيخ خزعل » في المحمرة في خوزستان . ولكن « رضا خان » لم يلبث ، بعد قليل ، ان أمر قائد عسكر خوزستان بتوقيفه ، فاعتقله وسيره إلى طهران . فوضع في الإقامة الجبرية فيها بضع سنين سلبه فيها « رضا خان » كل ثروته ، ثم أمر رجالا من الشرطة فقتلوه خنقا ( كان « رضا خان » يومئذ قد أصبح ملكا ) . وسار « رضا خان » من خوزستان إلى البصرة ومنها إلى بغداد ومنها إلى طهران . وقيل في سبب سلوكه في عودته هذه الطريق أنه أراد أن يتملق قلوب الإيرانيين بزيارة مراجع التقليد الذين في العراق وكذلك زيارة العتبات المقدسة القائمة هناك ، ولأولئك المراجع وتلك العتبات مقام عظيم مقدس عند الإيرانيين . وفي يوم 11 دي سنة 1303 ه . ش . وصل إلى طهران . وجعل أنصاره من يوم عودته يوما مشهودا . أقاموا فيه أقواس النصر والزينات والأضواء على طول الشوارع التي يمر فيها موكبه من مدخل المدينة إلى بيته . ونحروا جمالا وبقرا وغنما أضاحي عند قدميه . ونشروا فرقا تعزف الموسيقى وحين صار في وسط الجمهور ترجل من السيارة وامتطى حصانا موضوع عودة الشاه اضطر « أحمد شاه » إلى التغيب عن إيران والإقامة في فرنسا مدة سنتين تقريبا . وفي أواخر هذه المدة ترددت عليه رسل وبرقيات من إيران تطلب منه التعجيل في العودة . ولكنه كان يتريث تحاميا للدسائس التي كان يقوم بها « رضا خان » وأنصاره في المجلس النيابي وخارجة ، الدسائس الرامية إلى مضايقته وزعزعة عرشه ، حتى شاع أن « رضا خان » أقنع « محمد حسن ميرزا » ولي العهد بخلع أخيه ونصبه ملكا في مكانه . وفي أواسط سنة 1304 ه . ش . الموافقة سنة 1344 ه . ق . عزم « أحمد شاه » على السفر إلى إيران من طريق مرفا « بمباي » الهندي . وأبرق إلى « رضا خان » رئيس الوزارة يخبره بعزمه . فأجابه هذا ببرقية رحب فيها بقدومه وأظهر السرور به . وحزم الشاه أمتعته واشترى بطاقات السفر له ولحاشيته وذويه ، وسبقته أمه فسافرت على طريق بيروت . ولكن وقعت في ذلك الحين والشاه على أهبة السفر ، فتنة عظيمة في طهران دامت بضعة أيام بسبب فقدان الخبز . وسارت مظاهرات ضخمة قتل فيها بضعة رجال وجرح آخرون ، وسار بضعة آلاف من نساء الأحياء الشعبية إلى المجلس النيابي في يومين متتاليين فشتمن النواب وهددنهم وتوافد الناس بالألوف إلى بيوت العلماء المراجع شاكين ضاجين ، وتدخل الجيش لاخماد الفتنة . واعتقلت الحكومة العسكرية جماعة كبيره وكانت القرائن تدل على أنها أزمة مفتعلة . افتعلتها الشرطة بتدبير من « رضا خان » لإيجاد الفتنة والتشويش على الشاه والمعارضة وتأخير عودة الشاه إلى إيران لإتمام تدابير مؤامرة متوقعة . وقبل أن تصل إلى الشاه أخبار هذه الفتنة كان قد أرسل إلى « محمد حسن ميرزا » ولي العهد عدة برقيات بالشفرة يستوضحه فيها بعض القضايا . ولكن هذه البرقيات ظلت بلا جواب إلى أن قرأ في الأخبار الصحفية ما يستفاد منه أن الوضع في طهران غير مرض . فأرسل برقية بالشفرة إلى ولي العهد وبرقية صريحة إلى رئيس الوزارة يستوضحهما الآمر . فأجابه ولي العهد ببرقية صريحة بان القضية هي ما يعرضه على جلالتك رئيس الوزارة في برقيته . فأستدل الشاه من هذه البرقية على أن في طهران تقع حوادث مهمة ، وأن ولي العهد لم يستطع أن يوضحها له حتى بالشفرة لأنه محجور عليه . وأما « رضا خان » فأبرق إلى الشاه جوابا مطولا على برقيته قال فيه إن التحقيق أثبت أن للروس يدا في تحريك الفتنة وأنهم يسعون إلى إشعال ثورة . وأن استكمال التحقيق اقتضى توقيف بعض رجال البلاط للاشتباه بان لهم علاقات ببعض الأوساط الأجنبية ، فاوقفوا بعد إعلام ولي العهد بأمرهم وبعد التحقيق أطلق سراحهم . وتبودلت بعدها عدة برقيات بين الرجلين في هذا الموضوع وفي كل منها كان « رضا خان » يطمئن الشاه إلى أن الحالة الأمنية جيدة تمكنه من العودة إلى إيران . ولكنه كان ينذر الشاه ، ضمنا لا صراحة ، بأنه هو وحده « رضا خان » القادر على حفظ الأمن وتسلم زمام السلطة . وفي إحدى هذه البرقيات أنباه أن في أذربيجان حركة مخالفة لعودته ، وأن برقيات وردت من أذربيجان تتضمن المعارضة له . ورأى الشاه نفسه غير قادر على العودة إلى إيران في هذه الأحوال . وكان فريق من أعيان الإيرانيين وغيرهم ، ومنهم « آقا خان » ، قد أشاروا عليه بتأخير عودته لأن الظروف الداخلية في إيران غير مؤاتية بسبب حركات