حسن الأمين

20

مستدركات أعيان الشيعة

« أسترآباد » وإعلان التمرد في الوقت المناسب . ثم عاد « حسين قلي خان » إلى مقر عمله في « دامغان » وأناب عنه « كمال علي بيك » على حكومة أسترآباد « ، وأرسل تقريرا بذلك إلى » كريم خان زند « . فاقره هذا على ما فعل وشكره وأهداه خنجرا مرصعا . وأخذت الرسل تتردد بين الرئيسين القاجاريين يتبادلان الرأي في تدبير الثورة وتهيئة مقدماتها . وكانا يختاران رسلهما من أعيان القاجاريين الموثوقين وأهل الرأي والمشورة فيهم ، وكانت رسائلهما كلها شفهية حذرا من وقوع وثيقة خطية في يد « كريم خان زند » تكشف تأمرهما . ورفع جواسيس « كريم خان زند » إليه تقريرا بتردد الرسل بين دامغان مقر حكومة « حسين قلي خان » و « أسترآباد » مقر حكومة « كمال علي بيك » . فأرسل من قبله رجلا اسمه « الله يار زند » يتحرى الأمر ، وأمره باعتقال من يترددون بين الرجلين ومصادرة ما في حوزتهم من أوراق وإرسالها إليه . ففعل ما أمره به ولكنه لم يعثر على شيء من الأوراق معهم . وإذ كان يرتاب في هؤلاء الرسل . وعجز عن الحصول على مستمسك عليهم ، فقد عمد يوما إلى اعتقال أحدهم . وعند استجوابه في التحقيق لم يحصل على اعتراف منه بشيء ، فأمر بضربه فلقا على باطن قدميه . وإذ كان المضروب من سراة القاجاريين فقد غضب « حسين قلي خان » واستدعى « الله يار زند » إليه وأمر بضربه فلقا ، فضربوه حتى أغمي عليه ، ثم ألقوه خارج دار الحكومة وهو مغمى عليه . ولما تمكن من أن يستوي على قدميه مضى إلى « كريم خان » فأعلمه بالواقعة . ومضى « حسين قلي خان » من « دامغان » إلى « أسترآباد » وأعلن بالعصيان ، ودعا نفسه « جهان سوز شاه » أي « الشاه حارق الدنيا » . ولم يستطع « كريم خان زند » أن يسير بنفسه إلى محاربته بسبب مرضه . فنصب « محمد خان قاجار دولو » حاكم « أسترآباد » السابق حاكما على مازندران ، وأمره بالسير إلى محاربة « حسين قلي خان » . ولكن « حسين قلي خان » تغلب عليه وتتبعه حتى حاصره في إحدى القلاع ، وانتهى الحصار باحتلال « جهان سوز » للقلعة ومقتل « محمد خان قاجار دولو » . ولما بلغ خبر الهزيمة إلى « كريم خان زند » استدعى « آقا محمد خان » وأمره بان يكتب رسالة إلى أخيه « حسين قلي خان » يقول له فيها عن لسانه إن جزاءه ، إذ تمرد وعصى وقتل عامله على مازندران ، القتل . ولكنه يعفو عنه إن هو حضر إلى شيراز وأدى إلى ورثة القتيل ديته . فكتب « آقا محمد خان » رسالة لام فيها أخاه على فعله ، وقال له إن أسرتنا كانت موضع عطف « كريم خان زند » وعفوه وإكرامه . وقد جعلك واليا على « دامغان » ثم أضاف إليها ولاية « أسترآباد » . ولكنك عصيته وتمردت عليه بدلا من أن نشكره وترعى حقه . والآن خير لك أن تحضر إلى شيراز وتؤدي الدية إلى ورثة القتيل ، وإلا أنزل بك أشد العقوبة . ولم يكن لهذه الرسالة من وقع في نفس « حسين قلي خان » لأنه كان وأخاه قد تواطأ على العصيان قبل سفره إلى « دامغان » ، وكان « آقا محمد خان » قد أوصاه أن لا يذعن ل « كريم خان زند » بوجه من الوجوه . و « حسين قلي خان » يعلم أن أخاه لا يعني مما كتبه في هذه الرسالة شيئا ، وأنه إنما كتبها مضطرا . ولذلك أجاب على الرسالة بأنه حاضر ليجيء إلى شيراز حين يتيسر له جمع المال اللازم للدية ، وأنه الآن مشغول بتهيئته . ولكن الوقت طال ولم يحضر « حسين قلي خان » إلى شيراز ولا وصل منه خبر آخر إليها . فاستدعى « كريم خان زند » أخاه « آقا محمد خان » وقال له اكتب إليه مرة أخرى وقل له إنه إن لم يحضر قتلتك أنت . فكتب ما أمره به . وحين وصل الساعي حامل الرسالة إلى « أسترآباد » كان « حسين قلي خان » في أحد مرافئ مازندران يسعى إلى إنشاء أسطول حربي . فأوصلها الساعي إليه . وكتب في جوابها يستعطف « كريم خان زند » أن يبقي على أخيه ويعده بالحضور في أقرب وقت ممكن . اعتصام آقا محمد خان بعد أن كان « كريم خان زند » قد خفف القيود عن « آقا محمد خان » وسمح له بالخروج من شيراز للنزهة والصيد ، عاد في تلك الحقبة ، فضيق عليه ومنعه من الخروج إلى خارج المدينة . ورأى « آقا محمد خان » أن من الممكن أن يقدم « كريم خان زند » على قتله فاعتصم في مقام « شاه چراغ » ، ( 1 ) إذ كان اللاجئون إلى هذا المقام ممن يطلبهم السلطان يوقف عنهم الطلب احتراما له . وإذ كان « آقا محمد خان » محترما عند الشيرازيين لمكانته العلمية والأدبية وحسن تصرفه الاجتماعي ، فقد بادر أعيانهم إلى إمداده بأطايب الطعام وفاخر اللباس ، ولكنه رفض ذلك كله وظل يقتصر في طعامه ولباسه على ما اعتاده من بساطة . وجعل الفضلاء وطلاب العلم يختلفون إليه زائرين متفقدين أحواله ، إذ أن « كريم خان زند » لم يحظر على أحد زيارته . فتنعقد عنده في مقام « شاه چراغ » مجالس بحث علمي وأدبي وتاريخي . وفي إحدى الليالي كان « كريم خان زند » ناشطا للسمر ، وعنده بعض فضلاء فارس . فتلا بيتين من الشعر هذا تعريبهما : معشوقة خضراء الوجه ضيقة الفم تزيد في نشاط الشيخ ونشاط الشاب إذا أنت حسرت المعجر عن رأسها أخذها الغضب فتدافع الزبد من فمها وأراد « كريم خان زند » أن يمتحن الحاضرين فسألهم من هو قائل هذين البيتين ، وما هو معناهما ؟ فلم يعرفوا جوابا . فقال « كريم خان زند » : لو كان آقا محمد خان قاجار حاضرا لعرف معناهما وذكر اسم قائلهما . ثم قال : إن هذا التاعس يخشانا على نفسه . وغدا سأذهب إلى « شاه چراغ » للزيارة وأخرجه من معتصمه آمنا . وفي اليوم التالي ذهب « كريم خان زند » مع أولئك الفضلاء الذين كانوا سماره في الليلة البارحة إلى مقام « شاه چراغ » . وبعد أن قرأ زيارته استدعى إليه « آقا محمد خان » وروى له واقعة الليلة البارحة وساله عن قائل هذين البيتين ، فأجابه على الفور : هو الطاهر بن الفضل بن محمد بن المظفر ابن المحتاج الشغاني المكنى ب « أبو المظفر » المتوفى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة هجرية وهو في السبعين من عمره .

--> ( 1 ) هو « أحمد » ابن الإمام موسى الكاظم ( ع ) .