حسن الأمين

198

مستدركات أعيان الشيعة

والعذر وفوق هذا كانت لهؤلاء العشائر سوابق حميدة في حفظ الثغور والحدود . وحين تولى « رضا خان » رئاسة الوزارة كانت الحرب التي شنها على قبائل اللور سنة 1301 ه‍ . ش . و 1340 ه‍ . ق ، يوم كان وزيرا للحربية في وزارة « قوام السلطنة » ، لا تزال قائمة على أشد ما تكون . ومن تلك العشائر التي أراد « رضا خان » إخضاعها قبيلة كردية اسمها « شكاك » . كانت تسكن في ناحية « ماكو » على الحدود بين إيران وتركيا وروسيا وعرف رجالها بالشجاعة ومن هذه العشيرة أسرة من الخانات ما زالت تتولى رئاستها من عهد الملوك الصفويين ، وفي عهدتها حماية الحدود . ولها سوابق في محاربة الروس والأتراك وحفظ ثغور تلك الناحية . ولما عقدت معاهدة الصلح المعروفة بمعاهدة « گلستان » بين إيران وروسيا اتفقت كل من إيران وروسيا وتركيا على ترك الخيار لخانات « ماكو » يلتحقون بمن شاؤوا من الدول الثلاث . وقد اختار هؤلاء الخانات الانضمام إلى إيران . وكانت إنعامات الملوك تتوالى على هؤلاء الخانات في عهد الصفويين فكنزوا ثروة ضخمة من النقد والتحف والجواهر يتوارثونها خلفا عن سلف . واشتهر أمر هذه الثروة حتى ضرب بها المثل وبلغ الحديث عنها إلى أن قيلت فيها الأساطير . وكانوا أهل عمران جعلوا من قصبة « ماكو » ، وهي عاصمة إقليمهم ، بلدة زاهية بالعمارات الجميلة المزخرفة ، وحشدوا لذلك مجموعة من الصناع المهرة جلبوهم من روسيا . واستعملوا الاسمنت قبل أن تعرفه طهران نفسها . ومدوا إلى أبنيتهم أنابيب المياه وزودوها بالمدافئ الحديثة . واحتكروا نوعا ممتازا من الغنم لا يسمحون لغيرهم أن تنسل غنمه منها . لقد كانوا ، في الواقع ، شبه دولة مستقلة يرتبطون بإيران بالاسم . ولكن علاقتهم بالحكومة الإيرانية كانت ، بوجه الإجمال ، حسنة دائما . وكانت كذلك يوم تولى « رضا خان » الوزارة ثم رئاسة الوزارة . واتفق أن عزم « رضا خان » على التنكيل بالأسرة الحاكمة في « ماكو » وقت كلف بتشكيل الوزارة . وكان الخان الحاكم يومئذ في ذلك الإقليم اسمه « مرتضى قلى خان » إقبال السلطنة . وكان رجلا لبقا حسن المعشر متخلقا بأخلاق مدنية . فأوعز « رضا خان » في السر ، إلى « عبد الله خان طهماسبي » والي أذربيجان العسكري باستدراجه بالخديعة إلى تبريز واعتقاله . وكانت بين الوالي و « إقبال السلطنة » معرفة وصداقة . فدعاه الوالي إلى تبريز لمباحثته في أمر خاص . فأجاب دعوته غافلا عما يراد به . فلما وصل بادر الوالي إلى اعتقاله وألقاه في السجن . وبعد مدة قليلة مات مسموما في السجن . وأغار الجند على خزائنه فنقلوها كلها إلى طهران . ولم يعلم مصيرها بعد ذلك . وأراد النائب السيد « حسن المدرس » مرة أن يستجوب وزارة « رضا خان » عن مصير خزائن « إقبال السلطنة » هذه فأثيرت ضجة مصطنعة في داخل المجلس وخارجة طمست استجوابه . ولم يجرؤ بعدها أحد على إعادة الكرة . وقيل إن الإنكليز صادروها من يد « رضا خان » ونقلوها إلى إنكلترا يوم خلعوه عن العرش ونفوه إلى جزيرة « موريشس » في أوائل الحرب الكونية الثانية . ونشر رئيس الوزارة « رضا خان » بيانا عنف فيه من سبقه من الحكام المنقادين لسياسة الأجنبي وأزرى بالمتوسلين بالأجانب المؤتمرين بأمرهم من أجل حفظ منافعهم الخاصة . وأن هذه السياسة أدخلت الفساد في خلق الأمة الإيرانية والضعف في شعورها الوطني . ثم نشر بلاغا آخر أنذر به المتظلمين بان كل شكوى وكل تظلم ينشر بواسطة الجرائد والمطبوعات لن يسمع ولن يعتنى به ، وعلى كل شاك وكل متظلم أن يرفع ظلامته بمعاملة رسمية قانونية إلى مراجعها الحكومية المسئولة . وحظر على موظفي الدولة أن يعرضوا شكاواهم وتظلماتهم بواسطة النشر في الجرائد أو بوسيلة أخرى غير الوسائل المقررة قانونيا لهذه الأمور . فمن خالف حوكم وعوقب بشدة . ثم حقق حلمه القديم بالسيطرة على إدارة الشرطة فعزل رئيسها السويدي وعهد برئاستها إلى أحد أعوانه . وبذلك سيطر على جميع القوى العسكرية . محاولة انقلاب جمهوري قبيل افتتاح المجلس النيابي الجديد ظهرت في بعض الصحف الموالية لرئيس الوزارة « رضا خان » كتابات تقارن بين « أحمد شاه » وغيره من ملوك العصر ، وفيها انتقاد له . وأرسل « رضا خان » اثنين من رجاله إلى أوروبا وأمرهما بان يحصلا على صورة ل « أحمد شاه » وهو معتمر القبعة الفرنجية ليذيعها بين الناس فتسوء سمعة الشاه ، إذ كان اعتمار هذه القبعة يومئذ بعد خروجا على الآداب الإسلامية . وقوي نشاط طلاب النظام الجمهوري من النواب وغيرهم بين الناس . وكلهم كانوا من أنصار « رضا خان » وهي قرائن تدل على أن « رضا خان » كان يمهد لانقلاب جمهوري . يوصله إلى رئاسة الجمهورية . بل بلغ الأمر إلى أبعد من هذا . فقد هيا طلاب النظام الجمهوري نقدا ذهبيا وفضيا مضروبا باسم الجمهورية ليكون عيدية رئيس الجمهورية للمعايدين يوم النوروز ، وكان هذا العيد قريبا . وحملت الأجهزة العسكرية المنتشرة في مختلف الولايات فريقا من الأهالي على إرسال برقيات إلى المجلس النيابي يعلنون بها رفضهم للأسرة القاجارية . واستطاع « رضا خان » الحصول على موافقة أكثرية النواب له . فقد كان فريق منهم من طلاب النظام الجمهوري في الأصل . وفريق منهم انتخب بجماعة العسكريين ، وفريق استجلب بالوعد والوعيد . وبقي المعارضون للانقلاب أقلية في مقدمتهم النائب الجريء العالم المجتهد السيد « حسن المدرس » . وافتتح المجلس الجديد في اليوم الخامس من رجب سنة 1342 ه‍ . ق . الموافق 22 بهمن سنة 1302 ه‍ . ش . بخطاب من « محمد حسن ميرزا » ولي العهد ونائب الملك . وكان عرض موضوع تغيير النظام الملكي بنظام جمهوري على المجلس قد أصبح أمرا ثابتا . وشرعت الأقلية المعارضة تأخذ الأمر بالمناورة والمداورة وتعويق مقدمات استقرار المجلس لتتاح لها زيادة في الوقت . وفي يوم 27 إسفند سنة 1302 ه‍ . ش . الموافق 11 شعبان سنة 1342 ه‍ . ق . عقد المجلس ماكو : ولاية في أقصى الشمال الغربي من إيران تقع على حدود ما كان يسمى الاتحاد السوفياتي .