حسن الأمين
199
مستدركات أعيان الشيعة
النيابي جلسته الخامسة . وفي أثناء توقف الجلسة للاستراحة أقدم أحد النواب المؤيدين لرئيس الوزارة « رضا خان » على صفع النائب المعارض السيد « حسن المدرس » . فأحدث هذا العمل استياء واستنكارا عاما في الناس ، إذ كان المدرس من أوسع السياسيين شعبية وأطيبهم سمعة محبوبا موثوقا به عند الناس . وقد سئل مرة : لما ذا تعارض النظام الجمهوري ؟ فقال : أنا لا أخالف الجمهورية الحقيقية . وقد كانت الحكومة في صدر الإسلام جمهورية . ولكن هذه الجمهورية التي يريدون فرضها علينا لم تنبعث من إرادة الأمة الإيرانية بل إن الإنكليز يريدون فرضها على هذه الأمة ليقيموا في إيران حكومة تابعة لإرادتهم عاملة باوامرهم . وكل ذنب أحمد شاه هو أنه رفض معاهدة 1919 م وقاوم تدخلات الإنكليز في شؤون إيران . ولو كان المرشح لقيادة الجمهورية وطنيا حرا لما عارضته . وأحدث ضرب المدرس أيضا استياء في المجلس النيابي . فتراجع بعض نواب الأكثرية عن تأييدها استنكارا للحادث وانضموا إلى الأقلية المعارضة . واستقال نائب من أكثر النواب وجاهة هو الشاعر « محمد تقي » المعروف باسم « بهار » والملقب ب « ملك الشعراء » ، استنكارا لضرب المدرس . وفي يوم 28 إسفند سنة 1302 ه . ش ، وهو آخر شهور السنة الإيرانية الهجرية الشمسية أقدم « رضا خان » على إبلاغ الأسرة القاجارية نيته على خلعها عن عرش الحكم صراحة ، إذ أرسل من قبله وفدا إلى ولي العهد نائب الملك « محمد حسن ميرزا » يطلب منه الاستقالة من منصبه ، فرفض . فأعاد « رضا خان » الوفد إلى ولي العهد مرة ثانية لحمله على الاستقالة بالرضا أو بالإكراه . ولكن ولي العهد ظل ثابتا على رفضه ولم يبال بتهديدهم . وفي عصر ذلك اليوم نفسه قامت جماعة من طلاب الجمهورية ومعهم جماعة من رجال « رضا خان » وجماعة من العسكر ، وقد ارتدى هؤلاء فوق بزاتهم العسكرية قمصانا حمراء ، بمظاهرة سارت إلى مبنى المجلس النيابي ورفعوا أصواتهم بطلب النظام الجمهوري ، وخطب فيهم بعض معاريف السياسة خطبا مهيجة مظهرين نفورهم من ملك القاجاريين مطالبين بإقرار النظام الجمهوري . وفي ذلك اليوم اجتمع كل رؤساء الدوائر الوزارية ومدير والوزارات العامون وذهبوا إلى « رضا خان » وأعلنوه برفضهم لملك العائلة القاجارية ومطالبتهم بالنظام الجمهوري . ونظم سجل في كل مكتب من مكاتب الوزارات ، وطلب من موظفيه تسجيل أسمائهم فيه على أنهم من طلاب النظام الجمهوري . بل ذهب بعض موظفي البلاط نفسه إلى منزل رئيس الوزارة « رضا خان » وأعلنوه بتاييدهم للنظام الجمهوري . وفي ذلك اليوم أيضا ( 28 إسفند سنة 1302 ه . ش ) سارت مظاهرة تجوب أنحاء طهران ، وقد ارتدى المتظاهرون لباسا أحمر وحملوا رايات حمراء كتبوا عليها « زنده باد جمهوري » ( عاشت الجمهورية ) . وسارت عدة من السيارات كسيت أغشية حمراء ورفعت عليها رايات حمراء تطوف شوارع المدينة وتنشر على الناس مناشير بطلب النظام الجمهوري . وصدر أمر بتعطيل كل المؤسسات الحكومية من ظهر ذلك اليوم إلى المساء على أن يشارك موظفوها في مظاهرات طلب الجمهورية . من جهة أخرى نهض المعارضون للنظام الجمهوري من كل الطبقات يعلنون برفضهم لهذا النظام . فأخذوا يفدون جماعات جماعات إلى بيوت المراجع الدينية صاخبين مستنكرين ، ويتداولون الحديث والمذاكرة في تهيئة وسائل المقاومة . وفي عصر كل يوم يتجمهرون في مسجد الشاه حيث تلقى خطب مهيجة بالتنديد بالنظام الجمهوري ورئيس الوزارة « رضا خان » والمؤيدين له من النواب . وفي يوم 28 إسفند سنة 1302 ه . ش . بلغ عدد المتجمهرين في مسجد الشاه حوالي ثمانية آلاف . وانتشر نبا ضرب السيد « حسن المدرس » في المدينة بمثل دوي الرعد . فازدادت الخواطر هياجا وتضاعفت الكراهية للجمهورية وطلابها . وفي ذلك اليوم أيضا ( 28 إسفند سنة 1302 ه . ش ) حاولت جماعة من الجمهوريين إكراه التجار على تعطيل الأسواق ( 1 ) لاظهارها بمظهر المؤيد للنظام الجمهوري فلم تفلح . ورد عليهم التجار بالجفاء والرفض . وفي اليوم التالي ( 29 إسفند سنة 1302 ه . ش ) عاود الجمهوريون المحاولة . وجرى نقاش عنيف بينهم وبين التجار . وجر النقاش إلى العراك . وأطلق الجمهوريون بضع عيارات نارية . وحضر رئيس الشرطة مع جماعة من رجاله إلى السوق ، وأمر بسد أبواب المساجد المهمة - ومسجد الشاه الكبير يقع بالقرب من السوق - وفي أثناء ذلك حضر إلى السوق الشيخ « محمد الخالصي » ، وهو في طريقه إلى مسجد الشاه للصلاة ، ومعه جماعة منهم الواعظ الشيخ « حسين اللنكراني » ، وكان هذا قد دأب على الحضور إلى المسجد كل يوم يخطب منددا بالجمهورية والجمهوريين . وإذ وجد الخالصي باب المسجد مغلقا وشاهد الشرطة في السوق أيقن أنه معتقل لا محالة . فما كان منه إلا أن بسط عباءته في وسط السوق وأمر مرافقيه برفع الأذان وصف قدميه للصلاة . وسمع البازاريون صوت الأذان فقصدوه واصطفوا وراء الخالصي يأتمون به . وما زالوا يقبلون ويصطفون للصلاة حتى تشكلت منهم جماعة كبيرة . فما انتهت الصلاة حتى كان عدد المجتمعين حوالي ثمانية آلاف . فخطب فيهم الخالصي وندد بالجمهورية والجمهوريين والنواب المؤيدين لهم ، ثم دعا هذا الجمهور إلى الذهاب إلى المجلس وإعلان مخالفتهم للنظام الجمهوري فأجابوه كلهم . ولم يتعرض لهم رجال الشرطة إذ كان تفريقهم فوق طاقتهم . وساروا إلى المجلس . وهناك دخل الخالصي إلى غرفة رئاسة المجلس وطلب الاجتماع بالنواب لابلاغهم إرادة الجمهور . وكان النواب في جلسة رسمية . وبلغ خبر مجيء الخالصي إلى بعضهم . فخرج بضعة نواب من الجمهوريين من الجلسة ودخلوا على الخالصي وتناولوه بالضرب . وشيئا فشيئا تسرب الخبر بان الخالصي يضرب في داخل المجلس إلى الجمهور في الخارج فثاروا وحاولوا اقتحام المجلس من كل منافذه . وعندئذ اضطر الضاربون إلى إطلاق الخالصي فخرج من المجلس . وحين علم رئيس المجلس بالواقعة عرض القضية فورا على النواب وتقرر إبلاغ الجمهور أن المجلس عين عصر يوم الثاني من شهر فروردين ، سنة 1303 ه . ش ، أي بعد ثلاثة أيام موعدا لاستقبالهم ومباحثتهم في مطالبتهم . ورفعت الجلسة .