حسن الأمين
183
مستدركات أعيان الشيعة
1300 ه . ش . مدير جريدة « نوروز » لنشرها مقالا انتقدت به حكومة الطباطبائي . وبعد أن أوقف في سجن الشرطة بضعة أيام نقل إلى مستشفى الأمراض العقلية . وقالوا إنه جن . مخالفة « رضا خان » للطباطبائي وأراد الطباطبائي قتل بضعة عشر رجلا من المعتقلين ، منهم الأمير القاجاري « فرمان فرما » وابنه « نصرت الدولة » . وأمر إدارة الدرك بقتلهم في فجر يوم عينه لهم ، بلا محاكمة . ولكن أحد الوزراء أبلغ هذا الخبر في السر إلى رجال من ذوي المعتقلين ، فبادروا فورا إلى القصر الملكي وأبلغوه إلى الملك « أحمد شاه » . فتأثر الملك واستنكر هذا العمل . وقال : باي حق يقتل الأبرياء بلا محاكمة في دولة برلمانية ديمقراطية ؟ ! ثم أمر بطلب قائد الجيش « رضا خان » [ بالتفلون ] بالتلفون . فلما حضر أطلعه على القضية ، وأمره بان يبادر فورا إلى منع الدرك من إنفاذ أمر الطباطبائي بقتل أولئك المعتقلين فبادر « رضا خان » إلى إنفاذ أمر الشاه ، وأمر بوقف أمر الطباطبائي والمحافظة على سلامة المعتقلين ، وكانوا على وشك أن يساقوا إلى الموت . وكان عمل « رضا خان » هذا مبدأ خلاف بينه وبين الطباطبائي . إذ ظهر منه أن « رضا خان » ينحاز إلى الشاه والأمراء ولا يبالي بأوامر الطباطبائي . وبهذا اكتسب « رضا خان » إلى جانبه جماعة كبيرة من أهل الوجاهة والنفوذ . واكتسب أيضا رضا الشاه عنه . كان قائد الجيش رئيس كتيبة القوزاق « رضا خان » في أول الأمر يتبع السيد « ضياء الدين الطباطبائي » تبعية كاملة . ولكنه ، حين أخذ يطلع شيئا فشيئا على الأوضاع ويزداد خبرة ، ويتقوى مكانه شيئا ما ، ويتصل شيئا فشيئا برجال البلاط وذوي المعتقلين والملك « أحمد شاه » اتسع مجال تفكيره وأراد ترقية مقامه . ومن ثم عزم على مخالفة رئيس الوزارة وتحدي وزير الحربية رئيسه ، والاستقلال عنهما . وكان « أحمد شاه » ، من بادئ أمره يسيء الظن بالطباطبائي . وقد أقامه رئيسا للوزارة بالإكراه . وزاد في نقمته عليه تجرؤه على البيت المالك باعتقاله بعض الأمراء القاجاريين وحبسهم بلا ذنب . وكان يتعمد الاستهانة بالشاه فيحضر إلى قصره بلا موعد سابق ، بل دأب على الحضور في أوقات استراحة الشاه . فلما نبهه إلى ذلك قال : لا حيلة لي في الأمر . فان انشغالي بإدارة أعمال الدولة لا يترك لي وقتا للحضور في البلاط غير هذا الوقت . وأخذ الطباطبائي يسعى إلى الإيقاع بين الشاه وأخيه « محمد حسن ميرزا » ولي العهد ، لحمله على مواطاته على أخيه وخلعه عن العرش . من ذلك إنقاصه مبلغا من راتب « أحمد شاه » ورواتب رجال البلاط بزعم الاقتصاد في نفقات الميزانية ، وزيادته مبلغا في راتب ولي العهد ليتقرب بهذا إلى ولي العهد . وكان إذا حضر عند الشاه لا يلتزم بالقواعد المرعية في احترام المقام الملكي ، فإذا لقي ولي العهد عامله بكل إجلال وتعظيم . ونبه رجال البلاط الشاه إلى مقاصد الطباطبائي فازداد كرها له وحذرا منه . وكان المتتبعون لسير الحوادث من رجال البلاط وغيرهم يرون أن الطباطبائي يسعى بإيقاع الخلاف بين الأخوين ، الملك وولي عهدة إلى غاية أبعد من خلع الشاه عن العرش ، وهي إضعاف الأخوين كليهما ثم القيام بانقلاب جمهوري يكون هو رئيس الجمهورية فيه . وكانوا لا يستبعدون أن تكون هذه الغاية متوخاة من الطباطبائي من حين التخطيط لانقلاب الثالث من إسفند سنة 1299 ه . ش . ولا يستبعدون أن قائد الجيش « رضا خان » نفسه كان على علم بها ، إما لأنه كان شريك الطباطبائي في القصد إليها والتخطيط لها وإما لأن أحدا أعلمه بعد ذلك بنوايا الطباطبائي . ومن ثم أخذ « رضا خان » يسعى إلى أبعاد السيد « ضياء الدين الطباطبائي » بالاستعانة عليه بالشاه ورجال البلاط ، ليقوم هو نفسه بهذا الانقلاب . وقد حاول بالفعل بعد ذلك في سنة 1302 ه . ش . القيام بانقلاب جمهوري ، ولكن الظروف قصرت يده واتخذت الحوادث مجرى آخر . ومهد الطباطبائي لانفاذ خطته بسجن جميع من يخشاهم من الأعيان والوجهاء وطلاب الحرية فلم يبق في الميدان أحد يستطيع مقاومته . أما « رضا خان » فكان أكثر تعقلا وأكثر تأنيا منه . فظل على تظاهره بالولاء للشاه وإطاعة أوامره . ومع أن الشاه كان يسيء الظن بقائد الجيش وبجميع رجال الانقلاب فقد رأى أن لا وسيلة لديه للوقاية من خطر الطباطبائي غير إبعاد « رضا خان » عنه . فقد كانت في يد هذا قوة القوزاق ، ولو اتحد هو والطباطبائي وظلا على ما كانا عليه في أول الأمر من اتفاق لنجح الطباطبائي في إنفاذ خطته قطعا . وكان رجال البلاط أيضا على هذا الرأي . ومن ثم أخذ الشاه يعامل « رضا خان » بعطف وعناية . من ذلك ما فعله في اليوم الأول من شهر فروردين سنة 1300 ه . ش . في احتفال رسمي أقيم في القصر الملكي لمناسبة عيد النيروز . فقد أثنى على « رضا خان » بمسمع ومشهد من الحضور وحمد له خدماته واجتهاده وكفاءته وأنعم عليه بسيف مرصع القبضة . وكان هذا السيف يعد من أعظم الإنعامات الملكية على العسكريين . وقال له ، وهو يدفع إليه السيف « لقد أثبت وأوضحت أن الإيراني أهل لإدارة الجيش » . وقد نجحت حاشية الشاه في إيقاع الخلاف بين الطباطبائي و « رضا خان » . فكان تسرع الطباطبائي وشدته في اتخاذ تدابيره من جهة ، ومخالفة « رضا خان » له من جهة أخرى السبب في إحباط مسعى الطباطبائي . ولكن الشاه ، وقد نجا من مؤامرة الطباطبائي ، عاد بعد ذلك فوقع في حبائل « رضا خان » الذي نجاه منها . فقد كان قصد هذا تنحية الطباطبائي من طريقه ليكون هو صاحب الانقلاب على الشاه . وبعد عشرين يوما من الإنعام على « رضا خان » بالسيف أقام في 21 فروردين سنة 1300 ه . ش . مناورة عسكرية واسعة في ظاهر طهران بحضور « أحمد شاه » ورئيس الوزراء والوزراء وممثلي الدول الأجنبية . وبذلك أفهم خصمه أن زمام القوة العسكرية في يده . واتسعت شقة الخلاف بين الرجلين حين علم الطباطبائي أن « رضا خان » قد أمن طلبته « جهان شاه خان » ( أمير أفشار ) الزنجاني وأجاره في بيته . وسكت الطباطبائي عن هذا الأمر بضعة أيام إلى أن اجتمع بقائد الجيش « رضا خان » وبعض الوزراء في جلسة لبحث شؤون الجيش . وبعد انتهاء البحث سال الطباطبائي « رضا خان » : هل من جديد لديك ؟ فقال : نعم . تلقيت برقية من قزوين من « جهان شاه خان » يستامنني فيها فامنته ، ثم حضر إلى طهران وهو الآن في بيتي .