حسن الأمين
17
مستدركات أعيان الشيعة
ويوم كنت محتاجا إلى زيتك وطلبته منك بالثمن لا بالمجان بخلت علي وأكرهتني على قبول زيت لا يصلح لغير الإراقة في التراب . فاسترحمه الدكاني أن بعفو عنه . فقال : لو أنك فعلت بي هذا الفعل مرة أو مرتين أو أكثر لعفوت . ولكن ظلمك لي دام كل المدة التي كنت فيها محتاجا . ولم تستجب لي حين طلبت منك الإنصاف . ولذا لا أعفو عنك اليوم وأعاقبك على ظلمك . ثم أمر « آقا محمد خان » بإحضار قدر كبير وأمر بجلب كل ما في دكان الرجل من زيت وإلقائه في القدر ، وإيقاد النار تحته . فلما حمي الزيت ، وكان مقداره يبلغ إلى منتصف فضاء القدر ، أمر بتقييد يدي الدكاني ورجليه وإلقائه في الزيت الغالي ، هذا والدكاني يبكي ويسترحم ويصرخ و « آقا محمد خان » يقسم بكل مقدس أنه لا يعفو عنه ، ثم ألقي به في الزيت وجعل يصرخ صراخا يقطع القلوب ، و « آقا محمد خان » ينظر إليه هادئا مطمئنا إلى أن خمد صراخه ومات . وبعد سنة من إقامة « آقا محمد خان » في طهران أخذت تظهر عليه آثار الخصاء شيئا فشيئا فتساقطت لحيته وشارباه . وتشوه منظر حاجبيه وغابت في عينيه تلك النظرة الجذابة وأصبح منظرهما منظر عينين دائمتي البكاء . وبعد أربع سنوات لم يبق في « آقا محمد خان قاجار » أثر من وسامته السابقة . وعاد ذلك الشاب على الشكل الذي نراه له في التصاوير اليوم . وكان له صوت رجولي قوي فأصبح شبيها بصوت النساء . حتى إنه لما وصل إلى منصب الملك كان يتحاشى مناداة خدمه إذا أراد استدعاءهم ، بخلاف العادة المتبعة يومئذ . إذ كان الأعيان ، ولا سيما الملوك ، يعدون جهارة الصوت في مناداة الخدم من علامات الرئاسة والتفوق ، فينادونهم إذا أرادوا استدعاءهم بصوت جهير . أما « آقا محمد خان » ، وقد حرم من هذه الميزة فقد اتخذ لنفسه شيئا كالطبل يضعه إلى جانبه يضرب عليه إذا أراد استدعاء أحد من الخدم ليخفي ما في صوته من نقص فلا يستهينوا به . ولذلك كان أعداؤه يسمونه « الخصي الطبال » . ومع أنه اشترك بعد وفاة « كريم خان » زند « في عدة حروب كان فيها القائد ، فقد كان يتجنب إصدار الأوامر بصوته كي لا يسخر منه الجنود إذا سمعوا صوته النسائي . ولكن « آقا محمد خان » ، مع كل ما أصابه من تشويه ، استطاع أن يتجنب الترهل وتراخي الأعضاء مما يصاب به الخصيان في العادة ، إذ يعوضون ما حرموه من متعة جنسية بالإكثار من الأكل والإقبال على تناول مختلف الأطايب من الطعام . وقد فطن « آقا محمد خان » إلى هذا الأمر ففرض على نفسه حمية قاسية ، وتجنب المآكل الدسمة وجعل طعامه مقدارا معينا لا يتجاوزه لقمة واحدة ، حتى إنه كان يزن وجبته بالميزان لكيلا تزيد عن المقدار المعين . وقد سبق - إذ فطن لهذا الأمر - معارف أهل زمانه بقرنين من الزمان . وهو دليل قاطع على نبوغه وتفوق ذكائه . وقد جعلت هذه الحمية التي فرضها على نفسه ووزنه لطعامه بالميزان الإيرانيين يظنون به البخل ، وما هو بالبخل ، فزيادة لقمة أو لقمتين في وجبة الطعام لا تقدم ولا تؤخر في الاقتصاد . ولو كان بخيلا لقتر على جنوده . وقد كان يمنحهم كفايتهم من الطعام كمية ونوعا . وإذ اتبع هذه الخطة في الطعام فقد ظل محتفظا برشاقة جسمه كما كانت ، مع كل ما أصابه من تشويه . ويوم قتل ، وهو في الخامسة والخمسين من عمره ، كان تناسب جسمه ورشاقته ، كما كان وهو في العشرين من عمره . آقا محمد خان في شيراز ثم انتقل « كريم خان زند » من طهران إلى شيراز ، وحمل معه إليها « آقا محمد خان » . وكان هذا ، بعد أن آل أمره إلى تلك الحال ، قد سقط ، في نظر « كريم خان » وغيره من الناس ، من حساب الطامعين في الرئاسة والملك والفادرين على التمرد والعصيان فليس يعقل في عرف تلك الأيام ، أن يصل مخصي في إيران إلى منصب من مناصب الرئاسة ، فضلا عن أن يصبح ملكا وكل اقتدار ونفوذ يمكن أن يحصل عليه الخصي لا يخرج عن دائرة الحريم . ومع ذلك استطاع « آقا محمد خان » الخصي أن يملك . فاية همة وإرادة وأي حزم وثبات اقتضاها سعي هذا الرجل المحروم المطرود الذي حكم العرف والعادة والتقاليد بنبذه وإبعاده عن كل مقام عال ، حتى قدر أن يصل إلى أعلى منصب في الدولة ، وأن يمكن أسرته من تداول الملك بعده خلفا عن سلف ! ! ليس بين عظماء العالم العصاميين الذين ارتقوا من الدرجات الدنيا إلى المقامات العالية من كانت له همة « آقا محمد خان قاجار » وثباته وتنظيمه وانضباطه وصبره على المشقة . كان ظاهرة خارقة للعادة . لقد ظل من يوم حلوله في طهران إلى وفاة « كريم خان زند » مواظبا على القيام ببرنامج يومي وضعه لنفسه لم يعطله يوما واحدا . كان ينهض كل يوم من نومه عند الفجر ، فيسبغ الوضوء ويصلي . ثم يمارس بعض أنواع الرياضة البدنية المتداولة في إيران ويسبح ويمشي . فإذا انتهى من رياضته تناول فطوره ، وهو أبدا لقيمات من الخبز والجبنة وجرعة من الماء ، لا يتجاوزه إلى أكثر . ويعين مقداره بالوزن - كما تقدم - لكيلا يزيد عن المقدار الذي فرضه على نفسه . وكذلك يزن غداءه وعشاءه على هذا النحو . فإذا تناول فطوره اتخذ سبيله إلى حلقة الدرس في مقام « زيد » ( يوم كان في طهران ) وإلى المدرسة ( يوم انتقل إلى شيراز ) ، فاستمع إلى درس الأستاذ وشارك الطلاب في المباحثة ، ثم عاد إلى بيته ، فكتب أجوبة ما ورد إليه من رسائل . فإذا حان وقت الغداء تغدى ثم انصرف إلى المطالعة حتى ساعة العصر . وعندئذ يمتطي حصانه ويخرج من المدينة للنزهة ، أو يحمل معه شاهينا يصطاد به . وكان « كريم خان زند » منحه حرية أكثر وأذن له بالخروج من المدينة ، إذ أصبح لا يخشاه وقد آلت حاله إلى ما آلت إليه وصار مظهره مظهر الخصيان وشكله شكلهم . ولكنه لم يسمح له بالتغيب أكثر من ثلاثة أيام . فإذا أراد إطالة الغيبة فعليه استئذانه ، ولا بد من أن يصحبه عندئذ حراس يراقبونه . وكل ما قام بها « آقا محمد خان » في تلك الحقبة وذكره مؤرخو العهد القاجاري من الإيرانيين كان يتم على هذا النحو . ولكن هؤلاء المؤرخين لم يذكروا أنه كان محظورا عليه السفر ما لم يكن في مراقبة الحرس ، لئلا يكون في ذلك حط من شان القاجاريين . ومن يقرأ ما كتبه مؤرخو العهد القاجاري من الإيرانيين يخيل إليه أن « آقا محمد خان » كان عند « كريم خان زند » ضيفا مبجلا ، وأنه كان يستشيره في تدبير شؤون الدولة حتى أصبح يعد من أعلى مستشاريه مقاما . ولم يكن الأمر الواقع مصدرهم في هذا الذي ذكروه ، بل الخوف على حياتهم أو الحذر من انقطاع المنفعة عنهم ، فكتبوا ما كتبوا تملقا وقلبوا حقائق ذلك التاريخ . ولا لوم عليهم في ذلك .