حسن الأمين

18

مستدركات أعيان الشيعة

أما المؤرخون الأجانب الذين كانوا مقيمين في إيران أو مروا بها في تلك الحقبة فقد ذكروا أن وضع « آقا محمد خان » في بلاط « كريم خان زند » كان على نحو آخر . فهو لم يكن ضيفا مبجلا ولا مستشارا مقدما ، بل أسيرا رهينة . وأن حياته في شيراز لم تكن محفوفة بالجلال والعظمة . كما ذكر مؤرخو العهد القاجاري من الإيرانيين . وكان يسكن بيتا صغيرا حقيرا . وكل ما كان لديه من مظاهر التجمل هو اقتناء شاهين يصطاد به . ولكن اقتناء شواهين الصيد لم يكن من خصائص الأعيان . فقد كان في شيراز أناس غيره يقتنون الشواهين ولم يكونوا أعيانا ولا أمراء . كان « آقا محمد خان قاجار » مجبرا على الاكتفاء بحياة حقيرة محدودة في شيراز . ولو أن « كريم خان زند » لم يمنع إمداده بالمال من « أسترآباد » لاستطاع أن يحيا في شيراز حياة طيبة تناسب ما لطائفته من سمعة ومكانة . ولكن « كريم خان زند » كان يأبى عليه التوسعة في حياته وجمع حاشية حوله . وواظب « آقا محمد خان » ، وهو في شيراز على طلب العلم حتى أصبح يعد من العلماء المحترمين . ولم يسبق أن خرج قبله من بين الإيرانيين عالم خصي . وأهم « كريم خان زند » ما حصل عليه ابن « محمد حسن خان أشاقة باش » من احترام بين أعيان شيراز . ويوم كان في طهران كان مطمئنا إلى أن الخصي لا يلقى من الناس غير الاستهانة به . ولم يخطر بباله أن « آقا محمد خان » ، وقد أصبح عالما ، سيصبح موضع الاحترام من أعيان المجتمع . وزاد في احترام الناس له أنه كان ، إلى علمه ، صادق القول محافظا على المواعيد منضبطا . فهو لا يخلف وعدا وعده ويؤدي قرضه في وقته ، لا يكذب ولا يغتاب . والأبواب مفتوحة في وجهه يستقبله الناس في بيوتهم بالترحاب ويدخلونه على نسائهم إذ هم يعلمون أنه خصي يقول مؤرخو العهد القاجاري من الإيرانيين إن « آقا محمد خان » ، بعد أن أقام مدة في بلاط الشاه الزندي أرسله هذا إلى « أسترآباد » محفوفا بالأبهة والجلال ليزور أمه وإخوته . ثم عاد بإخوته فأقامهم « كريم خان زند » في الولايات المركزية ، وحمل « آقا محمد خان » وأخاه « حسين قلي خان » ( الذي لقب بعد ذلك بحارق الدنيا ) معه إلى شيراز . ولكن المؤرخين الأجانب يذكرون هذه الواقعة على نحو آخر . والعقل يحكم بان ما ذكره هؤلاء المؤرخون هو الصحيح . إذ يستبعد أن يترك الشاه الزندي « آقا محمد خان » طليقا يعود إلى « أسترآباد » ويلحق بأمه وإخوته . يقول المؤرخون الأجانب إن « كريم خان زند » أهمه ما حصل عليه « آقا محمد خان قاجار » من محبة الناس في شيراز . فرأى إبعاده عنها . ووصلته أيضا في ذلك الحين أخبار سيئة من « أسترآباد » وهي أن « جيران » أم « آقا محمد خان » ، مع أنها كانت قد ابتليت بمرض السكر ، ( 1 ) تهيء الأسباب للحصول على قوة في « أسترآباد » . فأرسل إليها « كريم خان زند » رسالة ينذرها فيها بان تكف عن التامر عليه وإلا قتل ابنها « آقا محمد خان » [ وبعت ] بعث برأسه إليها . فتوقفت عن مساعيها وكفت عن التامر خوفا على ولدها . ومع ذلك فان « كريم خان زند » لم يطمئن خاطره من جهة « جيران » وإخوة « آقا محمد خان » . ورأى أنه لا يجوز بقاؤهم في « أسترآباد » إذ هي مسقط رأسهم وفيها أصلهم . ويحتمل دائما أن يتوروا عليه فيها . وأن المصلحة في نقلهم إلى النواحي المركزية من إيران . وذكر العقيد « غولدا سميث » الانكليزي أن كريم خان زند « إذ عزم على نقل جيران وإخوة آقا محمد خان من أسترآباد إلى النواحي المركزية ، إنما أراد ضرب عصفورين بحجر واحد . أحدهما إبعاد آقا محمد خان عن شيراز حيث اكتسب محبة الأهالي . والآخر أن ترى أمه ويرى إخوته ويرى سكان أسترآباد وطائفة أشاقة باش بل ترى طائفة يوخاري باش أيضا بأعينهم إلى أي حال أوصل الخصاء أكبر أبناء محمد حسن خان أشاقة باش ، فيقطعوا أملهم منه ويعرفوا أن من المحال أن يحل هذا الرجل الخصي في محل أبيه . السفر إلى أسترآباد كان « كريم خان زند » يعلم أن « جيران » وإخوة « آقا محمد خان » ورجال « أشاقة باش » وأهل « أسترآباد » يتصورون « آقا محمد خان » على ذلك الشكل الذي كانوا يرونه منه ، ولا يعلمون أي تغير تغيرته سحنة ذلك الشاب وكيف أصبح شبيها بامرأة عجوز . فإذا رأوه أيقنوا أنه لن يأتي يوم يستطيع فيه أن يتقدم ويتبعه ذووه ماضيا إلى احتلال مكان أبيه . وكان ل « كريم خان زند » غاية أخرى هي أن يخرج « جيران » وإخوة « آقا محمد خان » من « أسترآباد » ويقيمهم في أماكن متفرقة من ولايات إيران المركزية ليقطعهم عن « أسترآباد » وطائفة « أشاقة باش » . من أجل ذلك عزم « كريم خان زند » على إرسال « آقا محمد خان » إلى « أسترآباد » . وكان « آقا محمد خان » يعرف أي تغير طرأ على سحنته ، ويعلم أن أمه نفسها لن تعرفه . فقد تغير حتى صوته فأصبح غير صوته المعهود . ولكنه ، إذ كان عازما على أن يحتل يوما ما مكان أبيه ، فقد رأى أن لا بد له من أن يظهر نفسه لأهل « أسترآباد » ورجال طائفة « أشاقة باش » وغيرهم ، فيروا سحنته الجديدة ويعلموا أن ابن « محمد حسن خان » الأكبر قد صار إلى هذا الشكل . فإذا وصل إلى مكان أبيه لم ينكره أحد . وكان يتوقع أن يكون بعد عودته إلى « أسترآباد » موضع الاستهانة ، وأن أولئك الذي يجعلون من مصائب الناس موضوعا للتسلية سيلسعونه بألسنتهم وسخريتهم . ولكنه وطن نفسه على تحمل ذلك كله لكيلا ينكر الناس هويته في المستقبل وليعلموا أنه حقا ابن « محمد حسن خان قاجار أشاقة باش » الأكبر . وحين سار من شيراز قاصدا « أسترآباد » إنما كان سجينا ينقل من سجن إلى سجن ، بخلاف ما ذكره مؤرخو العهد القاجاري من الإيرانيين من أنه سار محفوفا بالأبهة والجلال . فقد كان محاطا بحراسة شديدة . وأوصى « كريم خان » حراسة باليقظة التامة لمنعه من الفرار إذا حاوله . وأمرهم بان يقيدوه بالسلسلة إذا حاول الفرار وأن يدخلوا به « أسترآباد » مقيدا بها . ودخل « آقا محمد خان » إلى « أسترآباد » . وكان قبل خروجه من شيراز قد أرسل رسالة إلى أمه يعلمها بسفره . ولكن « جيران » توفيت بمرض السكر قبل وصوله بثلاثة أيام . وأراد « آقا محمد خان » أن يحمل جثمانها إلى النجف أو كربلاء لتدفن هناك . ولكن حاكم « أسترآباد » رفض أن يأذن له بذلك . فاستأذنه في حملها إلى قم أو مشهد فلم يأذن له . فاضطر إلى دفنها في

--> ( 1 ) كان القدماء يرون مرض السكر بمنزلة عقوبة إلهية يبتلى بها من ترتكبون أعمالا بغيضة ليكون كفارة لهم عما ارتكبوه . وكان جيران فارسة ترمي بالرصاص وتحارب . فلما ابتليت بمرض السكر قالوا إنها سبق أن قتلت أناسا فابتلاها الله بالسكر كفارة عن قتلهم .