حسن الأمين
165
مستدركات أعيان الشيعة
كان يرويها ، مما حمل معظم القبائل التي استوطنت ضفتيه على الهجرة . ولذلك ظهرت فكرة إقامة ناظم على صدره ، وبناء سد أمام فتحته ، لتامين جريان المياه فيه صيفا وشتاء ، وإحياء الأراضي المحيطة به والإفادة منها . وقد تم التفاهم على تنفيذ هذا المشروع قبل تأليف وزارة جميل المدافعي الأولى في 9 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1933 ، فلما تألفت هذه الوزارة أنيط منصب وزير الاقتصاد والمواصلات برستم حيدر ليضطلع بتنفيذه . وحينما وضع المشروع في المناقصة الدولية ، احتج وزير المالية ، نصرت الفارسي ، لأنه كان يرى من الواجب الاتصال به قبل الإعلان ، للتاكد من وجود المخصصات التي يتطلبها المشروع . كما ذهب أيضا إلى أن تسليح الجيش العراقي أهم من مشروع الغراف بنظره ، وأيده في هذا الرأي وزير الداخلية ناجى شوكت . ويقول ناجي شوكت في مذكراته إن وزير المالية فوجئ بالإعلان الذي نشرته الصحف المحلية عن مناقصة المشروع ، وأن ذلك قد تم قبل التأكد من وجود الاعتمادات اللازمة في الخزينة ، ودون الحصول على موافقة وزير المالية مسبقا « فلما عرض الخلاف على المجلس طلبت الكلام وأيدت وزير المالية . . . واعترضت على المشروع من حيث الأساس ، موضحا . أنه لا يجوز الشروع باي عمل على دجلة في جنوبي بغداد ما لم يوضع مشروع متكامل للسدود التي يجب أن تقوم على هذا النهر الكبير ابتداء من شمال العاصمة لوقاية بغداد من الغرق الذي تتعرض له في كل سنة أو سنتين » . « وقد رد علي رستم حيدر ، وزير الاقتصاد والمواصلات ، مذكرا إياي بقول يؤثر عن الملك فيصل ، إذ قال في إحدى خطبه ( لا مشروع قبل الغراف ) . فأجبته أني لا أظن أن الملك فيصل قال مثل هذا القول ، ولنفرض أنه قاله لسبب أو باعتبار زمني ، فان أقوال الملوك لا ترتفع في قدسيتها إلى نصوص القرآن أو الأحاديث النبوية واجبة الاتباع . إن هذا المشروع الجبار سوف لا يحقق إلا أهدافا إقطاعية ينتفع منها أربعة أشخاص أو خمسة » . ( 1 ) وأيد نوري السعيد ، الذي كان وزيرا للخارجية ، هذا الرأي أيضا ، في حين أن صالح جبر ، وزير المعارف ، وبقية الوزراء أيدوا رستم حيدر . وقد اتخذ الخلاف أبعادا طائقية مؤسفة . وعلى أثر هذا الانشقاق في الوزارة قدم رئيس الوزراء جميل المدفعي استقالته في شباط ( فبراير ) 1934 ، فحاول الملك غازي أن يوفق بين آراء المتخاصمين ، ولكنه لم ينجح في ذلك ، فاضطر الملك إلى قبول استقالة المدفعي ، ولكنه عهد إليه بتأليف الوزارة مرة أخرى . وقد ارتأى المدفعي أن يحل ناجي السويدي ، وهو رئيس وزراء سابق ، محل رستم حيدر في الوزارة الجديدة ، ولكن السويدي اشترط على المدفعي أن يستبعد من وزارته جميع الوزراء الذين كانوا طرفا في الأزمة ، لكي لا يتهم بان غرضه من الاستقالة كان التخلص من رستم حيدر فقط ، فاقتنع المدفعي بهذا الرأي ، وتخلى عن وزرائه السابقين كافة ، باستثناء جمال بابان ، وزير العدلية . ( 2 ) وهنا بدأت فترة من العلاقات السيئة بين نوري السعيد ورستم حيدر ولعلها كانت المرة الأولى التي يختلف فيها الرجلان أو تقوم بينهما خصومة قوية . وفي وثائق وزارة الطيران البريطانية برقية كتبها ضابط استخبارات القوة الجوية البريطانية في بغداد حول هذه الأزمة الوزارية جاء فيها : إن الخلافات التي نشبت في الوزارة السابقة أخذت آلان شكلا خطرا . « نوري باشا هاجم رستم حيدر بصورة مستمرة وخاصة في جريدة ( العقاب ) بواسطة صاحبها يونس بحري الذي هو صنيعته . ( 3 ) وتلقى رستم زيارات من عدة شخصيات شيعية بارزة عرضت عليه تأييدها . وقد تقبل رستم ذلك ولكنه لم يشجعهم على القيام باي عمل في الوقت الحاضر . « إن الأمر الذي كان في بدايته غيرة شخصية وتطور إلى خصومة سياسية ، قد ينتهي بان يصبح نزاعا طائفيا . « حاول جميل المدفعي إدخال نوري ورستم في وزارته الجديدة ولكن نوري رفض الدخول إذا أدخل فيها رستم . . . » . ( 4 ) وبقي رستم حيدر بعد استقالة هذه الوزارة بدون منصب رسمي حتى أواخر تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1934 ، حين عين رئيسا للديوان الملكي للمرة الثانية . رستم حيدر والملك غازي توفي الملك فيصل الأول في 8 أيلول ( سبتمبر ) 1933 في العاصمة السويسرية برن ، وكان قد قصدها للمعالجة والاستجمام . وعلى الرغم من أن رستم حيدر كان يستمد قوته من ثقة الملك فيصل الذي كان سنده الرئيسي ، فإنه احتفظ بمركزه المرموق في الدولة بعد وفاة فيصل بسبب ما حققه لنفسه من مكانه بين رجالات البلد ، وما كونه من علاقات وثيقة بمعظم زعمائه . وكان رستم حيدر قد بقي بدون منصب منذ استقالة وزارة جميل المدفعي بسبب الخلاف الذي نشب بين أعضائها على مشروع الغراف . فلما استقالت وزارة جميل المدفعي الثانية في 25 آب عهد الملك غازي بتأليف
--> ( 1 ) عبد الرزاق الحسني ، المرجع سالف الذكر ، الجزء الرابع ، ص 15 . ( 2 ) ناجي شوكت ، سيرة وذكريات ، الطبعة الثالثة ، مطبعة دار الكتب ، بيروت ، 1977 ، ص 249 - 250 . ( 3 ) نشرت جريدة ( العقاب ) خلال أزمة مشروع الغراف عدة مقالات وتعليقات عرضت فيها بمن أسمتهم » الدخلاء « أو » الغرباء « ، كما أنها تضمنت إشارات إلى » الحية الرقطاء « وكان المقصود بهذه الإشارة رستم حيدر . ففي 7 شباط 1934 نشرت تعليقا جاء فيه : » روى لي فضولي بان هناك اجتماعات نهارية وسهرات ليلية يقيمها نفر من المرتزقة تحت قيادة ( الحية الرقطاء ) لتدبير الخطط والمناهج للدس والفتنة والدجل والتفريق متسترين بالاقداس الوطنية . « أما نحن العرب الخلص وإن آلينا على أنفسنا كشف الغطاء من أعمال ( الحية الرقطاء ) وشرذمتها من جماعة ( عيي بحيبك ) فان هذا لا يمنعنا من الترحيب بالمجاهدين الأبرار من أبناء الأقطار العربية والذين يضطهدهم الاستعمار الغاشم » . ( 4 ) وثائق وزارة الطيران البريطانية - من ضابط الارتباط الجوي ببغداد إلى استخبارات أركان الطيران ، مقر القوة الجوية - هنيدي . التقرير المرقم 95 والمؤرخ في 20 تشرين الأول 1934 ( الملف رقم 806 ( 23 AIR ) ص 28 .