حسن الأمين
166
مستدركات أعيان الشيعة
الوزارة الجديدة إلى رئيس الديوان الملكي علي جودت ، فألفها بتاريخ 27 آب ، وقد اشترك فيها نوري السعيد وزيرا للخارجية ، وجميل المدفعي ، رئيس الوزراء المستقبل ، وزيرا للدفاع . وقد شغرت رئاسة الديوان الملكي بإسناد رئاسة الوزارة إلى علي جودت . وقد تردد في حينه أن علي جودت اشترط إبقاء هذا المنصب شاغرا ليعود إلى أشغاله إذا استقالت وزارته ، كما أن نوري السعيد كان يرشح له صهره جعفر العسكري . ولم يكن من الممكن إبقاء رئاسة الديوان الملكي شاغرة لمدة طويلة ، فاتجهت النية إلى تعيين رستم حيدر الذي سبق له أن شغل هذا المنصب نحو عشر سنوات بكفاءة اعترف بها الجميع . فصدرت الإرادة الملكية بذلك في 25 تشرين الثاني 1934 . وجاء في تقرير سري لاستخبارات القوة الجوية البريطانية في العراق عن السياسة الداخلية ما يأتي : « 1 - كان تعيين رستم حيدر في منصب رئيس الديوان الملكي وسكرتير جلالة الملك سببا في خلاف آخر في الوزارة . 2 - كان رستم حيدر شخصا مناسبا للمنصب بصورة واضحة إذ كان من الضروري ملء هذا المنصب . ولكن تعيينه المفاجئ ، بدون استشارة مجلس الوزراء حسب العادة الجارية ، كان قد أساء إلى كرامة المجلس ، وخاصة نوري السعيد الذي كان يحاول الاحتفاظ بالمنصب شاغرا لصهره جعفر « . ( 1 ) وكان الملك غازي ، منذ ارتقائه العرش ، يعير الجيش اهتماما خاصا ، وأصبحت له علاقات شخصية مع ضباطه . وقد أثار هذا التوجه الجديد من جانب الملك قلق السفارة البريطانية ، خاصة وأن الملك غازي ، في رأيها على الأقل ، لم يكن يعير شؤون البلد الأخرى مثل ذلك الاهتمام ، فأخذت ترصيد تركيزه على تفتيش وحدات الجيش ، وانتهازه كل مناسبة للالتقاء بضباطه . وكتب السفير البريطاني في بغداد في تقريره السنوي عن أحداث العراق خلال عام 1935 ما يأتي : « الفقرة 110 - أظهر الملك خلال سنة 1935 اهتماما كبيرا بالجيش . وفي نهاية العمليات التي قام بها الجيش في منطقة الفرات ، قام بتفتيش الوحدات التي اشتركت فيها ، وأثنى عليها بحرارة . وبمناسبة ذكرى اعتلائه العرش أقيم تحت رعايته عرض كبير اشتركت فيه جميع وحدات الجيش . وكان اهتمام الملك محل تقدير كبير من الجيش ، وذلك على النقيض من قلة اهتمام الملك الراحل فيصل به . « الفقرة 111 - ومع ذلك فإنه ، لسوء الحظ ، لا يبدي اهتماما مماثلا بشؤون البلاد الأخرى . وعلى الرغم من أنه - بمساعدة سكرتيره الخاص الرئيسي رستم بك حيدر - نجح في معالجة أزمتين سياسيتين حدثتا في الربيع ، فإنه لم يظهر خلال السنة دلائل كثيرة على أنه ورث صفات أبيه كزعيم ورجل دولة » . ( 2 ) ومن الجدير بالذكر أن من جملة أسباب اهتمام الملك غازي بالجيش وعلاقاته الشخصية مع ضباطه ، وخاصة الشبان منهم ، هو أن الملك غازي نفسه قد درس في الكلية العسكرية وتخرج فيها ، وكان له بين الضباط زملاء ربطته بهم علاقات الصداقة والزمالة المدرسية ، وذلك أمر طبيعي يبدو أنه فات السفارة البريطانية ، أو أنها تجاهلته . وكان مبعث قلق الإنكليز الحقيقي من هذا الاتجاه - كما لاحظ مراقب انكليزي ذكي - شعورهم بان « الملك غازي نفسه أصبح رمزا لحماسة ضباط الجيش الذين كان معظمهم مؤمنين إيمانا قويا بالفكرة القومية وبوجود أخوة تجمع العرب كلهم » ، ( 3 ) ولكن الإنكليز ، في الوقت نفسه ، ظلموا يأملون أن يكون لوجود رستم حيدر في رئاسة الديوان الملكي أثر مفيد للملك غازي وتوجيه اهتمامه إلى شؤون البلاد الأخرى ، وإلى الأخذ بنصائحه ، بدلا من الأخذ بآراء ضباط الجيش المحيطين به . ولكن السفارة البريطانية وجدت أن رستم حيدر غير قادر على ممارسة ذلك النفوذ لأن رئيس الوزراء ، ياسين الهاشمي ، لا يحبه ولا يثق به . فتدخلت السفارة وأقنعت ياسين ، في كانون الأول ( ديسمبر ) 1935 ، بان رستم حيدر يمكن أن يمارس خير تأثير على الملك لو وجد المجال لذلك ، ولكن تأثيره في الوقاع كان ضعيفا . وكان السبب في ذلك هو أن الملك لم يول رستم حيدر ثقته مثلما فعل مع رئيس ديوانه السابق علي جودت . ولما استقالت وزارة علي جودت تحت ضغط الأحداث ، ألف الوزارة الجديدة جميل المدفعي مرة أخرى ، ولكنه اضطر إلى الاستقالة بعد اثني عشر يوما من تاليفها . وانتهى الأمر بانتصار الجبهة المعارضة التي كان يتزعمها ياسين الهاشمي ، فاضطر الملك غازي إلى أن يعهد إليه بتأليف الوزارة الجديدة ، فألفها في 17 آذار 1935 . ويروي الأستاذ عبد الكريم الأزري في مذكراته - وكان في ذلك الوقت معاونا لرئيس الديوان الملكي - أنه أخذ يلاحظ « ازديادا في التقارب والتعاون بين الهاشمي ورستم حيدر . وأن الهاشمي كان يأتي كل يوم تقريبا إلى مكتب حيدر في البلاط الملكي ، وبعد أن يقضي فيه بعض الوقت يذهب الاثنان معا إلى مكتب الملك غازي ويقضيان وقتا غير قليل هناك » . ثم يقول : « ولكن أكثر ما كان يزعج ياسين الهاشمي ورستم حيدر وبقية الساسة حسب ما اعتقد اتصال الضباط العسكريين بالملك مباشرة واختلاطهم به ، ذلك لأن هذا الاختلاط ، بالإضافة إلى تأثيره السيء في حياة الملك الخاصة ، وإلى إمكان استغلال سلطته ومقامه الملكي استغلالا غير مشروع ، فإنه كان مخلا بالانضباط العسكري ، وينطوي على مخاطر ومضاعفات سياسية . . . » . ( 4 ) رستم حيدر وانقلاب بكر صدقي بقيت وزارة ياسين [ الهاشمس ] الهاشمي في الحكم تسعة عشر شهرا ، وهي مدة طويلة بالنسبة لأعمار الوزارات في ذلك العهد ، فلما وقع الانقلاب العسكري
--> ( 1 ) وثائق وزارة الطيران البريطانية - من ضابط الارتباط الجوي ببغداد إلى استخبارات أركان الطيران ، مقر القوة الجوية ، هنيدي . التقرير المرقم 182 والمؤرخ في 28 تشرين الأول 1934 ( الملف رقم 23806 AIR ) ص 29 . ( 2 ) . 1936 P January . ( 851 E ) 37120010 . Annual Report . British Embassy . Baghdad : F . O . 31 . 33 ( 3 ) P . 1959 . James Morris . The Hashimite Kimgs ) Faber and Faber ( . London 150 . ( 4 ) عبد الكريم الأزري ، تاريخ وذكريات - العراق : 1930 - 1958 ، الجزء الأول ، بيروت 1982 ، ص 78 .